تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
يخفى توجيه ذلك بما تقدم في هود ودخلت الفاء ههنا إشارة إلى أنهم لم يخلوا بأدب الدخول ، بل جعلوا السلام عقيب الدخول . قوله :
« قَوْمٌ مُنْكَرُونَ »
خبر مبتدأ مضمر ، فقدّروه أنتم قوم ، ولم يستحسنه بعضهم « 1 » ؛ لأن فيه عدم أنس فمثله لا يقع من إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ، فالأولى أن يقدر هؤلاء قوم ، أو هم قوم « 2 » ، وتكون مقالته هذه مع أهل بيته وخاصته ، لا لنفس الملائكة لأن ذلك يوحشهم « 3 » . وقال المفسرون : قوم منكرون أي غرباء ولا نعرفكم . قال ابن عباس - ( رضي اللّه « 4 » عنهما - ) قال في نفسه : هؤلاء قوم لا نعرفهم . وقيل : إنما أنكر أمرهم ، لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان . وقال أبو العالية : أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض « 5 » . فإن قيل : قال في سورة هود :
فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ
فدل على أن إنكاره حصل بعد تقريب العجل إليهم وههنا قال :
« فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ »
، ثم قال :
« فَراغَ إِلى أَهْلِهِ »
بفاء التعقيب ، وذلك يدل على أن تقريب الطعام منهم بعد حصول إنكاره فما وجهه ؟ فالجواب : أن يقال : لعلهم كانوا مخالفين لصفة الناس في الشكل والهيئة ، ولذلك قال :
« قَوْمٌ مُنْكَرُونَ »
، ( أي ) عند كل أحد ( منا ) ، ثم لمّا امتنعوا عن الطعام تأكد الإنكار ، لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - تفرّد بمشاهدة إمساكهم فنكرهم فوق الإنكار الأول « 6 » . وحكاية الحال في سورة « هود » أبسط مما ذكره ههنا ، فإن ههنا لم يبين المبشّر به ، وهناك ذكره باسمه وهو إسحاق وههنا لم يقل إن القوم قوم من ، وهناك قال : قوم لوط « 7 » .

فصل [ في آداب الضيافة ]

ذكر ههنا من آداب الضيافة تسليم المضيف على الضّيف ، ولقاءه بالوجه الحسن ، والمبالغة في الإكرام بقوله :
« سَلامٌ »
، وهو آكد ، وسلامهم بالمصدر ، وفي قوله : سلام بالرفع زيادة على ذلك ولم يقل سلام عليكم ؛ لأن الامتناع من الطعام يدل على أن العداوة لا تليق بالأنبياء فقال : سلام أي أمري مسالمة ، ثم فيها من أدب الضيف تعجيل
هامش
( 1 ) لعله أبو حيان فتلك العبارات عباراته في البحر 8 / 139 . ( 2 ) المرجع السابق . ( 3 ) المرجع السابق بالمعنى . ( 4 ) زيادة من أ . ( 5 ) البغوي 6 / 244 و 245 . ( 6 و 7 ) المرجع السابق .