تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
قوله تعالى :
وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا .
فيه وجهان « 1 » : أحدهما : أن الحاجة هنا على بابها من الاحتياج إلا أنها واقعة موقع المحتاج إليه ، والمعنى : لا يجدون طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره ، والمحتاج إليه يسمى حاجة تقول : خذ منه حاجتك ، وأعطاه من ماله حاجته . قاله الزمخشري « 2 » . فعلى هذا يكون الضمير الأول للجائين بعد المهاجرين ، وفي « أوتوا » للمهاجرين . والثاني : أن الحاجة هنا من الحسد . قال الحسن : حسدا وحزازة مما أوتوا المهاجرين دونهم ، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة ؛ لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة فأطلق اسم اللازم على الملزوم على سبيل الكناية . والضميران على ما تقدم قبل . وقال أبو البقاء « 3 » : « الحاجة مس حاجة » . أي : أنه حذف المضاف للعلم به ، وعلى هذا ، فالضميران ل
« الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ »
. وقال القرطبي « 4 » : « يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خصّوا به من مال الفيء وغيره ، كذلك قال الناس . وفيه تقدير حذف مضافين ، والمعنى : مس حاجة من فقد ما أوتوا ، وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة » .

فصل في سبب نزول الآية [ « وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ . . . »

] قال القرطبي « 5 » : كان المهاجرون في دور الأنصار ، فلما غنم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أموال بني النضير ، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم وإشراكهم في الأموال ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن أحببتم قسمت ما أفاء اللّه عليّ من بني النّضير بينكم وبينهم ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السّكنى في مساكنكم وأموالكم ، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم » ، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ - رضي اللّه عنهما - بل نقسمه بين المهاجرين ، ويكونون في دورنا كما كانوا ، ونادت الأنصار : رضينا وسلّمنا يا رسول اللّه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللّهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار » وأعطى رسول اللّه للمهاجرين ، ولم يعط الأنصار إلا الثلاثة الذين ذكرناهم « 6 » .
هامش
( 1 ) ينظر : الدر المصون 6 / 296 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 4 / 505 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 2 / 1216 . ( 4 ) الجامع لأحكام القرآن 18 / 17 . ( 5 ) السابق . ( 6 ) أخرجه البخاري 13 / 278 ، كتاب الاعتصام ، باب : ما يكره من كثرة السؤال ( 7289 ) ، ومسلم 4 / 1831 ، كتاب الفضائل ، باب : توقيره صلى اللّه عليه وسلم ( 132 / 2358 ) .