تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
قوله تعالى :

[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 43 إلى 45 ]

هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ( 43 ) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ( 44 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 45 ) قوله تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
غلب من يعقل على غيره ، وجميعهم مراد . والضمير في « عليها » للأرض . قال بعضهم : وإن لم يجر لها ذكر ، كقوله :
حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ
[ ص : 36 ] . ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله :
وَالْأَرْضَ وَضَعَها .
وقيل : الضمير عائد إلى الجارية . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة : هلك أهل الأرض . فنزلت
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] فأيقنت الملائكة بالهلاك « 1 » . وقاله مقاتل . ووجه النعمة في فناء الخلق : التسوية بينهم في الموت . وقيل : وجه النّعمة أن الموت سبب النّقل إلى دار الجزاء والثواب . قوله :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
أي ويبقى اللّه ، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : الوجه عبارة عنه ، كما قال
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ .
ويقال : هذا وجه الأمر ، ووجه الصواب ، وعين الصواب ، ومعنى
« ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ »
أي : هو أهل لأن يكرم ، وهذا خطاب مع كل سامع . وقيل : خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . فإن قيل : كيف خاطب الاثنين بقوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما .
وخاطب ها هنا الواحد فقال :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ،
ولم يقل : « وجه ربّكما » ؟ . فالجواب « 3 » : أن الإشارة ها هنا وقعت إلى فناء كل أحد ، فقال :
« وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ »
أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فان ، فلو قال : ويبقى وجه ربكما ، لكان كل أحد يخرج نفسه ، ورفيقه المخاطب عن الفناء . فإن قيل : فلو قال : « ويبقى وجه الرّب » من غير خطاب ، كان أدلّ على فناء الكل ؟ . فالجواب : إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف ، والإبقاء إشارة إلى القهر ، والموضع موضع بيان اللطف ، وتعديد النعم ، فلهذا قال : بلفظ الرب وكاف الخطاب « 4 » .
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 5 / 267 ) وعزاه إلى ابن أبي حاتم في « تفسيره » عن مقاتل . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 8 / 191 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 29 / 94 . ( 4 ) ينظر : الرازي 29 / 95 .