تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
قال ابن الخطيب : وأفرد « الدّبر » هنا وجمع في غيره ؛ لأن الجمع هو الأصل ، لأن الضمير ينوب مناب تكرار العاطف فكأنه قيل : تولى هذا وهذا . وأفرد لمناسبة المقاطع . وفيه إشارة إلى أن جميعهم يكونون في الانهزام كشخص واحد ، وأما قوله :
« فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ »
فجمع لأن كل واحد برأسه منهيّ عن رأسه ، وأما قوله : « ولقد كانوا عاهدوا اللّه من قبل لا يولّون الأدبار » أي كل واحد قال : أنا أثبت ولا أولّي دبري « 1 » .

فصل [ في نزول الآيات : « أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ »

] قال مقاتل : ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال : نحن نقتصّ اليوم من محمّد وأصحابه فأنزل اللّه تعالى :
نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ .
وقال سعيد بن المسيب : سمعت عمر بن الخطاب ( رضي اللّه عنه ) « 2 » يقول : لما نزل : سيهزم الجمع ويولّون الدّبر كنت لا أدري أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يثب في درعه ويقول :
« سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ »
أعظم نائبة وأشدّ مرارة من الأسر والقتل يوم بدر « 3 » ، وفي رواية « 4 » أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - كان يثب في درعه ويقول : « اللّهمّ إنّ قريشا حادّتك وتحادّ رسولك بفخرها بخيلها « 5 » فأخنهم « 6 » العداوة » ، ثم قال :
« سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ »
. وقال عمر « 7 » - ( رضي اللّه عنه ) - : فعرفت تأويلها . وهذا من معجزات رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين ، فالآية على هذا مكية . وفي البخاري عن عائشة أمّ المؤمنين - ( رضي اللّه عنهما ) - قالت : لقد أنزل على محمّد - صلى اللّه عليه وسلم - بمكة ، وإني لجارية ألعب :
« بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ »
. وعن ابن عباس ( - رضي اللّه عنهما - ) أن النبي صلى اللّه عليه وسلم - قال وهو في قبّة له يوم بدر : « أنشدك عهدك ووعدك ، اللّهمّ إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا » . فأخذ أبو بكر بيده وقال : حسبك يا رسول اللّه قد ألححت على ربّك وهو في الدّرع فخرج وهو يقول : سيهزم الجمع ويولّون الدّبر بل السّاعة موعدهم والسّاعة أدهى وأمرّ .
هامش
( 1 ) بالمعنى من تفسير العلامة الرازي في تفسيره الكبير 15 / 68 و 69 . والآيات المذكورة في تلك الفقرة من الآية 15 من الأنفال ومن الآية 15 من الأحزاب . ( 2 ) زيادة من أ . ( 3 ) وانظر البغوي 6 / 278 . ( 4 ) رواها سعد بن أبي وقاص عن سعيد بن جبير وانظر القرطبي 17 / 146 . ( 5 ) في نسخة ابن هشام في سيرته : بفخرها وخيلائها . ( 6 ) أي أهلكهم وأت عليهم . ( 7 ) في القرطبي أنه سعد بن أبي وقّاص .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 277 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب