ومعنى « مستقر » أي ثابت عليهم لا يدفعه أحد عنهم ، أو دائم لأنهم انتقلوا منه إلى عذاب الجحيم ، وهو دائم ، أو بمعنى قدر اللّه عليهم وقوعه ولم يصبهم بطريق الاتفاق وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم ، وجعل أعلاها أسفلها « 1 » .
وقوله :
« فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ »
أي العذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به ، فلذلك حسن التكرير « 2 » .
قوله تعالى :
[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 41 إلى 46 ]
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ( 41 ) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ( 42 ) أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 ) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ( 44 ) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 )
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ( 46 )
قوله تعالى :
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ
المراد بآله خواصّه ، والنّذر موسى وهارون . ولقد يطلق لفظ الجمع على الاثنين . وقيل : المراد بآل فرعون القبط .
فإن قيل : ما الفائدة في قوله : « آل فرعون » بدل « قوم فرعون » ؟
فالجواب : أن القوم أعم من الآل فالقوم كل من يقوم الرئيس بأمرهم ، أو يقومون هم بأمره وقوم فرعون : كانوا تحت قهره بحيث لا يخالفونه في قليل ولا كثير ، فأرسل إليه الرسول وحده غير أنه كان عنده جماعة من المقربين مثل قارون . مقدم « 3 » عنده لماله العظيم ، وهامان لدهائه ، فاعتبرهم اللّه في الإرسال ، حيث قال في مواضع :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
[ الزخرف : 46 ] وقال :
إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ
[ غافر : 24 ] وقال في العنكبوت :
وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى
[ العنكبوت : 39 ] لأنهم إن آمنوا آمن الكل ، بخلاف الأقوام الذين كانوا قبلهم وبعدهم ، فقال :
« وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ »
وقال :
« أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ »
.
فإن قيل : كيف قال : « ولقد جاءهم » ولم يقل في غيره « 4 » : جاء ؟
فالجواب : لأن موسى - عليه الصلاة والسلام - لما جاءهم كان غائبا عن القوم فقدم عليهم ، كما قال :
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ
[ الحجر : 61 ] ، وقال تعالى :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ التوبة : 128 ] حقيقة أيضا ، لأنه جاءهم من اللّه من السماوات بعد المعراج ، كما جاء موسى قومه من الطور حقيقة .
والنذر : الرسل وقد جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى . وقيل : النذر الإنذارات .
هامش
( 1 ) للرازي السابق .
( 2 ) قاله القرطبي في الجامع 17 / 144 .
( 3 ) في ب والرازي : تقدم عنده .
( 4 ) كذا في النسختين وفي الرازي : غيرهم .