تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
وروي أنهم صارت أعينهم مع وجوههم كالصفحة الواحدة . قوله :
« فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ »
الخطاب لهم ، أي قلنا على لسان الملائكة فذوقوا ، وهو خطاب مع كل مكذب ، أي إن كنتم تكذّبون فذوقوا . قال القرطبي : والمراد من هذا الأمر الخبر أي : فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط « 1 » . فإن قيل : إذا كان المراد بقوله : « عذابي » هو العذاب العاجل ، وبقوله : « ونذر » هو العذاب الآجل فهما لم يكونا في زمان واحد فكيف قال : ذوقوا ؟ فالجواب : أن العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل فهما كالواقع في زمان واحد وهو كقوله تعالى :
أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
« 2 » [ نوح : 25 ] . قوله تعالى :
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً
انصرف « بكرة » ؛ لأنه نكرة ولو قصد به وقت بعينه امتنع الصرف للتأنيث والتعريف . وهذا كما تقدم في « غدوة » « 3 » . ومنعها زيد بن عليّ الصرف « 4 » ، ذهب بها إلى وقت بعينه « 5 » . قال صاحب المختصر « 6 » : انتصب بكرة على الظرف أي بكرة من البكر كقوله :
أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
[ الإسراء : 1 ] . قال الزمخشري : والتنكير يدل على أنه كان في بعض الليل وتمسك بقراءة من قرأ : من اللّيل « 7 » . قال ابن الخطيب : وهو غير ظاهر ، والأظهر أن يقال : بأن الوقت المبهم يذكر لبيان أن تعيين الوقت ليس بمقصود للمتكلم ، كقوله : خرجنا في بعض الأوقات مع أن الخروج لا بدّ وأن يكون في بعض الأوقات ، وكذلك قوله :
« صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً »
أي بكرة من البكر ، و
« أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا »
أي ليلا من الليالي « 8 » . ومعنى صبحهم قال لهم : عموا صباحا ، كقوله :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ آل عمران : 21 ] . والمراد بقوله : بكرة أول أزمنة الصبح . أو انتصب « بكرة » على المصدر كقولك : ضربته سوطا ؛ لأن الضرب يكون بالسّوط وغيره ، وكذلك الصبح يكون بكرة وبعدها .
هامش
( 1 ) وانظر القرطبي 17 / 144 . ( 2 ) وانظر الرازي 15 / 62 . ( 3 ) وكما تقدم أيضا منذ قليل في ( سحر ) . وانظر المشكل لمكي 2 / 339 . ( 4 ) وانظر البحر المحيط 8 / 182 . ( 5 ) المرجع السابق . وهي شاذّة . ( 6 ) لعله المختصر في النحو لأبي جعفر بن سعدان الضرير البغداديّ ، وقد ترجم لابن سعدان هذا قبل . ( 7 ) قال الزمخشري « . . . وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية ، ويشهد لذلك قراءة عبد اللّه وحذيفة : من الليل » وانظر الكشاف 2 / 436 . ( 8 ) من كلام للرازي في تفسيره 15 / 63 .