تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وثانيها : هذه الآية . ثالثها : في الحجرات وهي قوله تعالى :
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
إلى قوله :
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ
[ الحجرات : 12 ] فالأول : كان المنع عقيب التسمية ، والثاني : عقيب الدعاء بالألقاب وكل ذلك دليل على أن حفظ اللسان أولى من حفظ غيره من الأركان وأن الكذب أقبح من السيئات الظاهرة من الأيدي والأرجل . فهذه المواضع الثلاثة دلت على أن الظن فيها مذموم أحدها : مدح ما لا يستحق المدح كاللّات والعزّى من العزة ، وثانيها : ذمّ من لا يستحق الذم وهم الملائكة الذين هم عباد الرّحمن يسمّونهم تسمية الأنثى ، وثالثها : ذمّ من لم يعلم حاله ، وأما مدح من يعلم حاله فلم يقل فيه : لا يتبعون الظن بل الظن معتبر فيه والأخذ بظاهر حال العاقل واجب « 1 » . قوله :
« فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا »
يعني القرآن . وقيل : الإيمان ؛ أي اترك مجادلتهم فقد بلّغت وأتيت بما عليك . قال ابن الخطيب : وأكثر المفسرين يقولون : كل ما في القرآن من قوله تعالى :
فَأَعْرِضْ
منسوخ بآية القتال ، وهو باطل ؛ لأن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال فكيف ينسخ به ؟ وذلك لأن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في الأول كان مأمورا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة فلما عارضوه بأباطيلهم أمر بإزالة شبههم والجواب عن أباطيلهم ، وقيل له :
« وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »
ثم لمّا لم ينفع قال له ربه : أعرض عنهم ولا تقل لهم « 2 » بالدليل والبرهان فإنهم لا ينتفعون به ولا يتبعون الحق وقاتلهم ، فالإعراض عن المناظرة شرط لجواز المقاتلة فكيف يكون منسوخا بها ؟ « 3 » قوله :
« وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا »
إشارة إلى إنكارهم الحشر كقوله تعالى عنهم :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
[ الأنعام : 29 ] وقوله :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا
[ التوبة : 38 ] وذلك أنه إذا ترك النظر في آلاء اللّه لا يعرفه فلا يتبع رسوله فلا ينفعه كلامه ، وإذا لم يقل بالحشر والحساب لا يخاف فلا يرجع عما هو عليه فلا يبقى في الدعاء فائدة . واعلم أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - كان كالطبيب للقلوب ، فأتى على ترتيب الأطبّاء في أن المرض إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا يستعملون الدواء القوي ، ثم إذا عجز « 4 » عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحديد والكيّ كما قيل : « آخر الدّواء الكيّ » ، فالنبي -
هامش
( 1 ) وانظر تفسير الإمام 28 / 310 ، 311 . ( 2 ) كذا في النسختين وفي الرازي : ولا تقاتلهم . ( 3 ) المرجع السابق . ( 4 ) في الرازي : عجزوا . وفيه إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا يستعملون الدواء وما أمكن إصلاحه بالدواء الضعيف لا يستعملون الدواء القوي .