فصل [ في معنى قوله : أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى »
]
المعنى أفتجادلونه أي كيف تجادلونه على ما يرى ، وذلك أنهم جادلوه حين أسري به فقالوا : صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه والمعنى أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما رآه وعلمه وتيقّنه « 1 » .
فإن قيل : هلا قيل : أفتمارونه على ما رأى بصيغة الماضي لأنهم إنما جادلوه حين أسري به كما تقدم وما الحكمة في إبرازه بصيغة المضارع ؟ فالجواب : أن التقدير أفتمارونه على ما يرى فكيف وهو قد رآه في السماء فماذا تقولون فيه ؟ « 2 » .
قوله تعالى :
[ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 13 إلى 18 ]
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ( 14 ) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ( 16 ) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 )
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ( 18 )
قوله :
( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى )
في نصب نزلة ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها منصوبة على الظرف ؛ قال الزمخشري : نصب الظرف الذي هو « مرّة » ؛ لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل فكانت في حكمها « 3 » . قال شهاب الدين : وهذا ليس مذهب البصريين وإنما هو مذهب الفرّاء « 4 » نقله عنه مكي « 5 » .
الثاني : أنها منصوبة نصب المصدر الواقع موقع الحال « 6 » ، قال مكي : أي رآه نازلا نزلة أخرى . وإليه ذهب الحوفيّ وابن عطيّة « 7 » .
الثالث : أنه منصوب على المصدر المؤكد ، فقدره أبو البقاء مرّة أخرى أو رؤية أخرى « 8 » .
قال شهاب الدين : وفي تأويل نزلة « برؤية » نظر ، و « أخرى » تدل على سبق رؤية
هامش
- والكشاف في المرجعين السابقين ومختصر ابن خالويه 146 . وقد نقل أبو حيان عن أبي حاتم تغليط تلك القراءة ولم يبين كل منهما وجه الغلط ، وانظر تلك الاشتقاقات في اللسان ( مرا ) والكشف 2 / 294 و 295 .
( 1 ) قال بذلك البغوي والخازن والقرطبي في تفاسيرهم السابقة .
( 2 ) بالمعنى من الرازي 28 / 290 و 291 .
( 3 ) قال : أي نزل عليه السلام نزلة أخرى في صورة نفسه فرآه عليها وذلك ليلة المعراج . وانظر الكشاف 4 / 29 .
( 4 ) معاني القرآن له 3 / 97 .
( 5 ) قال في المشكل 2 / 331 : وهو عند الفراء نصب لأنه في موضع الظرف إذ معناه مرة أخرى .
( 6 ) قال بذلك صاحب التبيان 1187 والقرطبي 17 / 94 .
( 7 ) البحر 8 / 159 ولكن أبا البقاء قال بالمصدر وأطلق .
( 8 ) المرجع السابق .