تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
اصطفى إبراهيم بالخلّة ، واصطفى موسى بالكلام ، واصطفى محمّدا بالرّؤية - صلى اللّه عليه وسلم - » . وكانت عائشة - رضي اللّه عنها - تقول : لم ير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - ربه . وتحمل الرؤية على رؤية جبريل . وقال مسروق : قلت لعائشة : يا أمّتاه هل رأى محمد ربّه ؟ فقالت : لقد قفّ شعري لما قلت أين أنت من ثلاث من حدّثكهنّ فقد كذب ، من حدّثك أنّ محمدا رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ الأنعام : 103 ]
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
[ الشورى : 51 ] ومن حدّثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت :
وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً
[ لقمان : 34 ] ومن حدّثك أنّه كتم شيئا مما أنزل اللّه فقد كذب ثم قرأت :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
الآية [ المائدة : 67 ] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين . وروى أبو ذر قال : سألت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : هل رأيت ربك قط ؟ قال : نور أنّى أراه « 1 » . قوله :
« أَ فَتُمارُونَهُ »
قرأ الأخوان أفتمرونه بفتح التاء وسكون الميم ، والباقون تمارونه . وعبد اللّه الشعبي أفتمرونه بضم التاء وسكون الميم . فأما الأولى ففيها وجهان : أحدهما : أنها من مريته حقّه إذا علمته وجحدته إياه ، وعدي بعلى لتضمنه معنى الغلبة . وأنشد :
4554 - لئن هجوت « 2 » أخا صدق ومكرمة * لقد مريت أخا ما كان يمريكا « 3 »
لأنه إذا جحده حقه فقد غلبه عليه . وقال المبرد يقال : مراه عن حقّه وعلى حقّه إذا منعه منه ، قال : ومثل « على » بمعنى « عن » قول بني كعب بن ربيعة : « رضي اللّه عليك » ؛ أي : عنك « 4 » . والثاني : أنها من مرأه على كذا أي غلبه عليه ، فهو من المراء وهو الجدال . وأما الثانية : فهي من ماراه يماريه مراء أي جادله . واشتقاقه من مري « 5 » الناقة لأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه . وكان من حقه أن يتعدى بفي كقولك : جادلته في كذا . وإنّما ضمّن معنى الغلبة . وأما قراءة عبد اللّه فمن أمراه رباعيّا « 6 » .
هامش
( 1 ) وانظر في هذه الآثار تفسيري البغوي والخازن لباب التأويل ومعالم التنزيل 6 / 257 إلى 259 . ( 2 ) روي هجرت كما في القرطبي . ( 3 ) من البسيط ولم أعرف قائله . وجيء به على أن المري معناه الجحد . وانظر الكشاف 4 / 29 والقرطبي 17 / 93 والبحر 8 / 159 بلفظ « سخرت » وروح المعاني 27 / 49 وفتح القدير 5 / 106 . ( 4 ) نقله في القرطبي 17 / 93 . ( 5 ) والمري مسح ضرع الناقة لتدرّ . ( 6 ) القراءتان الأوليان متواتران ذكرتا في الكشف 23 / 294 ، 295 والبحر 8 / 159 والقرطبي 17 / 93 والسبعة 614 و 615 والكشاف 4 / 29 . وأما قراءة عبد اللّه وأمثاله كالشعبي فهي شاذة وانظر البحر -
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 168 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب