قوله تعالى :
[ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 42 إلى 44 ]
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ( 42 ) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 43 ) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ( 44 )
قوله تعالى :
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
لما بين تعالى أن في الوجود قوما يخافون اللّه ، ويشفقون في أهلهم والنبي - عليه الصلاة والسلام - مأمور بتذكير من يخاف اللّه تعالى لقوله تعالى :
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
[ ق : 45 ] فوجب التذكير فلذلك ذكره بالفاء « 1 » .
قوله :
« بِنِعْمَةِ رَبِّكَ »
فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مقسم به متوسط بين اسم « ما » وخبرها . ويكون الجواب حينئذ محذوفا لدلالة هذا المذكور عليه والتقدير : « ونعمة ربّك ما أنت بكاهن ولا مجنون » « 2 » .
الثاني : أن الباء في موضع نصب على الحال ، والعامل فيها :
« بِكاهِنٍ
أو
مَجْنُونٍ »
والتقدير : ما أنت كاهنا ولا مجنونا ملتبسا بنعمة ربك . قاله أبو البقاء « 3 » . وعلى هذا فهي حال لازمة ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يفارق هذه الحال .
الثالث : أن الباء متعلقة بما دل عليه الكلام وهو اعتراض بين اسم « ما » وخبرها والتقدير : ما أنت في حال أذكارك بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون . قاله الحوفيّ « 4 » . قال شهاب الدين : ويظهر وجه رابع وهو أن تكون الباء سببية وتتعلق حينئذ بمضمون الجملة المنفية . وهذا هو مقصود الآية الكريمة . والمعنى انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة اللّه عليك كما تقول : ما أنت بمعسر بحمد اللّه وغنائه « 5 » .
فصل [ في معنى الآية : « فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ »
]
المعنى « فذكّر » يا محمد أهل مكة بالقرآن
« فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ »
أي برحمته وعصمته « بكاهن » مبتدع القول ومخبر بما في غد من غير وحي « ولا مجنون » نزلت في الذين اقتسموا عقاب « 6 » مكة يرمون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالكهانة والسّحر والجنون والشّعر « 7 » .
هامش
( 1 ) بالمعنى من كلام الرّازيّ 28 / 255 .
( 2 ) وهو قول أبي حيان في البحر 8 / 151 وفي البحر : ما أنت كاهن .
( 3 ) التبيان 1184 .
( 4 ) نقله عنه أستاذنا أبو حيان في بحره ، المرجع السابق .
( 5 ) ذكره في الدر المصون له مخطوط بمكتبة الإسكندرية لوحة رقم 113 .
( 6 ) في البغوي : عقبات وفي الخازن : أعقاب . والعقاب واحدتها عقبة طريق في الجبل وعقاب التي هي أعلى جمع أيضا لعقبة وعقبات جمع أيضا لها ، فلا تعارض بين روايات الكتب . وانظر اللسان « عقب » 3028 .
( 7 ) وانظر البغوي والخازن 6 / 252 .