تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
ثم قال :
« هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
والمعنى أنه تعالى لما ذكر انتقال الأجسام من كونها ترابا إلى أن بلغت الشيخوخة ، واستدل بهذه التغييرات على وجود الإله القادر قال بهده :
« هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ »
أي كما أن الانتقال من صفة إلى صفة أخرى من الصّفات المتقدمة يدل على الإله القادر فكذلك الانتقال من الحياة إلى الموت وبالعكس ، يدل على الإله القادر . ( و ) « 1 » قوله :
« فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
فيه وجوه : الأول : معناه أنه لم ينقل هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى بآلة تعينه إنما يقول له كن فيكون . الثاني : أنه عبر عن الإحياء والإماتة بقوله :
« كُنْ فَيَكُونُ »
فكأنه قيل : الانتقال من كونه ترابا إلى كونه نطفة إلى كونه علقة انتقالات تحصل على التدريج قليلا قليلا . وأما صيرورته حيّا فهي إنما تحصل بتعليق جوهر الرّوح ، وذلك يحدث دفعة واحدة فلهذا عبر عنه بقوله :
« كُنْ فَيَكُونُ »
. الثالث : أنّ من الناس من يقول : إن الإنسان إنما يتكون من المني والدّم في الرحم في مدة معينة بحسب الانتقالات من حال إلى حال ، فكأنه قيل : إنه « 2 » يمتنع أن يكون « 3 » كل إنسان عن إنسان آخر ؛ لأن التسلسل محال ، ووقوع الحادث في الأزل محال فلا بد من الاعتراف بإنسان هو الناس وحينئذ يكون حدوث ذلك الإنسان لا بواسطة المني والدم بل بإيجاد اللّه تعالى ، ابتداء ، فعبر اللّه تعالى عن هذا المعنى بقوله :
« كُنْ فَيَكُونُ »
. قوله تعالى :

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 69 إلى 76 ]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ( 69 ) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 70 ) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ( 72 ) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 73 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ ( 74 ) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ( 75 ) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 76 ) قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ . . .
الآيات . اعلم أنه تعالى عاد إلى ذمّ الذين يجادلون في آيات اللّه ، أي في إنكار آيات اللّه ودفعها والتكذيب بها ، فعجّب تعالى منهم بقوله :
« أَنَّى يُصْرَفُونَ »
؟ كيف صرفوا عن دين الحق وهذا كما
هامش
( 1 ) زيادة من ب . ( 2 ) تصحيح من الرازي عن النسختين ففيهما : له . ( 3 ) كذا في الرازي ، وفي ب يقول . وانظر تفسير الإمام الرازي 27 / 86 ، 87 .