تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
واعلم أن ترك الشكر لوجوه : الأول : أن يعتقد الرجل أنّ هذه النعم ليست من اللّه ، مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها ، واجبة الدوران ( لذواتها ) فيعتقد أن هذه النعم منها . الثاني : أن يعتقد أن كلّ هذا العالم إنما حصل بتخليق اللّه وتكوينه إلا أن نعمة تعاقب الليل والنهار لما دامت واستمرت نسيها الإنسان ، فإذا ابتلي الإنسان بفقدان شيء منها عرف قدرها مثل أن يحبس في بئر عميق مظلمة مدّة مديدة ، فحينئذ يعرف ذلك الإنسان قدر نعمة الهواء الصافي وقدر نعمة الضوء ، وقد كان بعض الملوك يعذب بعض خدمه بأن يأمر أقواما يمنعونه من النوم وعن الاستناد إلى الجدار . والثالث : أن الإنسان وإن كان عارفا بهذه النعم إلا أنه يكون حريصا على الدنيا ، محبّا المال والجاه ، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كفران هذه النعم العظيمة ، ولما كان أكثر الخلق واقعون في أحد هذه الأودية الثلاثة لا جرم قال تعالى :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ .
ونظيره قوله تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ : 13 ] وقول إبليس :
« وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ »
« 1 » . ولما بين اللّه تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
. قال الزمخشري : ذلكم المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو اللّه ربّكم ، خالق كل شيء
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وأنه لا ثاني له « 2 » .
« فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ »
أي فأنى تصرفون أي ولم تعدلون عن هذه الدلائل وتكذبون بها « 3 » ؟ . قوله :
« خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ »
العامة على الرفع ، وزيد بن عليّ بالنصب « 4 » . قال الزّمخشريّ : « على الاختصاص » « 5 » . وقرأ طلحة يؤفكون بياء « 6 » الغيبة . وقوله : « و
كَذلِكَ يُؤْفَكُ »
أي مثل ذلك الإفك بمعنى « 7 » كما أفكتم عن الحق مع قيام الأدلة كذلك يؤفك الّذين كانوا بآيات اللّه يجحدون يعني كلّ من « 8 » جحد بآيات اللّه ولم يتأملها ولم يكن فيه عزم طلب الحقّ وخوف العاقبة أفك كما أفكوا .
هامش
( 1 ) 17 من الأعراف . وانظر في هذا التفسير : الإمام الرازي 27 / 82 مع تغيير طفيف في العبارة . ( 2 ) ذكره جار اللّه الزمخشري في الكشاف 3 / 434 . ( 3 ) ذكره الرازي في تفسيره 27 / 83 . ( 4 ) من القراءة الشاذة غير المتواترة انظرها في الكشاف 3 / 434 والبحر المحيط 7 / 473 . ( 5 ) الكشاف المرجع السابق . ( 6 ) انظر الكشاف والبحر المرجعين السابقين وذكر هذه القراءة أيضا هي وسابقتها السّمين في الدر 4 / 706 . ( 7 ) قاله البغوي في معالم التنزيل 6 / 101 ، 102 . ( 8 ) نقله الرازي في المرجع السابق .