تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 62 إلى 65 ]

ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 62 ) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 63 ) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 64 ) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 65 ) قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ
اعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين : الأول : كأنه تعالى قال : إني أنعمت عليك قبل طلبك هذه النعم العظيمة ، ومن أنعم عليك قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال ؟ ! . والثاني : أنه تعالى لما أمر بالدعاء فكأنه قيل : الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقا بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القدر ؟ فذكر تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته ، وقد تقدم ذكر الدلائل الدالة على وجود اللّه وقدرته وهي إما فلكيّة ، وإما عنصريّة وأن الفلكيات أقسام كثيرة ، أحدها الليل والنهار ، وأن أكثر مصالح العالم مربوطة بهما فذكرهما اللّه تعالى ههنا ، وبين أن الحكمة في خلق الليل حصول الراحة بالنوم والسكون ، والحكمة في خلق النهار إبصار الأشياء ؛ ليمكن التصرف فيها على الوجه الأنفع . فإن قيل : هلّا قيل بحسب رعاية النظم هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال : جعل لكم الليل ساكنا والنهار مبصرا ولكنه لم يقل ذلك ، فما الفائدة ؟ وما الحكمة في تقدم ذكر الليل ؟ « 1 » . فالجواب عن الأول : هو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدميّة فهو غير مقصود بالذات ، وأما اليقظة فأمور وجودية ، وهي مقصودة بالذات . وقد بيّن الشيخ عبد القاهر النّحويّ في دلائل الإعجاز « 2 » أن دلالة صيغة الاسم على الكمال والتمام أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفرق . وأما الجواب عن الثاني : فهو أن الظلمة طبيعة عدميّة ، والنور طبيعة وجودية ، والعدم في المحدثات مقدّم على الوجود ؛ فلهذا السبب قال في أول سورة الأنعام :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[ الأنعام : 1 ] . ثم قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
والمعنى أن فضل اللّه تعالى على الخلق كثير جدا ، ولكنهم لا يشكرونه .
هامش
( 1 ) تفسير الرازي 37 / 82 ، 83 . ( 2 ) دلائل الإعجاز له 121 ، 122 بالمعنى .