تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
وثالثها : أن يقال : لما قدر على الأقوى الأكمل ( فبأن ) « 1 » يقدر على الأقل الأرذل كان أولى . وهذا استدلال في غاية الصحة والقوة ، ولا يرتاب فيه عاقل البتة . ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السماوات والأرض هو اللّه سبحانه وتعالى ويعلمون بالضرورة أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السماوات والأرض يكون قادرا على إعادة الإنسان الذي خلقه أولا فهذا برهان كلي في إفادة هذا المطلوب . ثم إن هذا البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس ، والمراد منه الذين ينكرون الحشر والنشر . فظهر بهذا المثال أنّ هؤلاء الكفار يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان ولا حجة بل بمجرد الحسد والكبر والغضب . ثم لما بين اللّه تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد ، والجهل كيف يكون ؟ وأن الجدال بالحجة والبرهان كيف يكون ؟ نبه تعالى على الفرق بين البيانين فقال :
« وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ »
يعني : وما يستوي المستدل والجاهل المقلد ، ثم قال تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ
فالمراد بالأول : التفاوت بين العالم والجاهل والمراد بالثاني : التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال السيئة الباطلة ، ثم قال :
« قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ »
يعني أنهم وإن كانوا ( يعلمون ) أن العلم خير من الجهل ، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد إلا أنه قليلا ما يتذكرون . فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه علم أو جهل ، وفي النوع الثاني المعنى من العمل أنه عمل صالح أو فاسد .

فصل [ في معنى قوله : « وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ . . . »

] قوله :
( وَالْبَصِيرُ »
) اعلم أن التقابل يجيء على ثلاث طرق : أحدها : أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية . والثانية : أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ
[ هود : 24 ] . والثالثة : أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ
[ فاطر : 19 - 20 ] . وكل ذلك تفنن في البلاغة « 2 » . وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله :
« وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ »
« 3 » .
هامش
( 1 ) زيادة للسياق وانظر تفسير الإمام الرازي 27 / 79 . ( 2 ) وهو ما يسمى بالمقابلة كقوله عزّ من قائل أيضا :فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراًوانظر بغية الإيضاح للسكاكي 4 / 14 ، 16 والفوائد المشوق 147 ، 151 . ( 3 ) البحر المحيط 7 / 272 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 74 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب