تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
الثاني : أن ينتصب على الاختصاص ، قال الزمخشري « 1 » : فعلى الأول لا محل « ليعرضون » ؛ لكونه مفسرا ، وعلى الثاني هو حال كما تقدم .

فصل [ في دلالة الآية : « النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا . . . »

على إثبات عذاب القبر ] دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر ؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم غدوّا وعشيّا ، وليس المراد منه يوم القيامة ، لقوله بعده
« وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ »
، وليس المراد منه أيضا الدنيا ؛ لأن عرض النار عليهم غدوّا وعشيا ما كان حاصلا في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت ، وقبل القيامة « 2 » . وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء ، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم لأنه لا قائل بالفرق . فإن قيل : لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدوا وعشيا عرض القبائح « 3 » عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب ، وخوّفوهم بعذاب اللّه فقد عرضوا عليهم النار . ثم في الآية ما يمنع حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين : أحدهما : أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائما غير منقطع . وقوله :
« يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا »
يقتضي أن لا يحصل ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر . الثاني : أن الغدوة والعشية إنما يحصلان في الدنيا ، أما في القيامة « 4 » فلا وجود لهما ، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر . والجواب على الأول : أن في الدنيا إذا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر النار ، ولم يعرض عليهم نفس النار ، وهذا لظاهر الآية ، وارتكاب المجاز ، وأما قولهم : الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز فالجواب لم لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين ، ثم عند قيام القيامة يلقى في النار ، فيدوم عذابه حينئذ « 5 » ، وأيضا لا يمتنع أن يكون ذكر الغدوة والعشية كناية عن الدوام ، كقوله تعالى :
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[ مريم : 62 ] وأما قولهم : إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا : لم لا يجوز أن يقال : إن ( عند ) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب « 6 » .
هامش
( 1 ) الكشاف 2 / 430 . ( 2 ) كذا في الرازي و ( ب ) . وفي ( أ ) وقيل بدل وذلك . ( 3 ) كذا في النسختين وفي ب والرازي : النصائح . ( 4 ) في الرازي بدل القيامة القبر . ( 5 ) في الرازي بعد ذلك . ( 6 ) وانظر في هذا الفصل كله تفسير الرازي 27 / 78 مع تغيير طفيف في العبارة .