تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
قوله : « لتعارفوا » العامة على تخفيف التاء ، والأصل : لتتعارفوا فحذف إحدى التاءين « 1 » . والبزّي بتشديدها « 2 » وقد تقدم ذلك في البقرة ، واللام متعلّقة « بجعلناكم » . وقرأ الأعمش بتاءين وهو الأصل الذي أدغمه البزّي « 3 » ، وحذفه الجمهور « 4 » ، وابن عباس لتعرفوا مضارع عرف « 5 » .

فصل [ في معنى قوله : « وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا »

] المعنى ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده لا لتفاخروا . وقال في أول الآية : خلقناكم وقال ههنا : وجعلناكم شعوبا ، لأن الخلق أصل تفرع عليه الجعل والإيجاد لأجل العبادة ، كما قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ،
والجعل شعوبا للتعارف ، والأصل متقدم على الفرع فتعتبر العبادة قبل اعتبار النسب ، لأن اعتبار الجعل شعوبا إنما يتحقق بعد تحقّق الخلق ، وفي هذا إشارة إلى أنّه إن كان فيكم عبادة فتعتبر ، وإلا فلا اعتبار لأنسابكم . فإن قيل : الهداية والضلال كذلك كقوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
[ الإنسان : 3 ]
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ *
[ النحل : 93 ] و [ النور : 46 ] . فالجواب : أن اللّه تعالى أثبت لنا فيه كسبا مبنيّا على فعل لقوله تعالى :
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
[ الإنسان : 29 ] ثم قال :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الإنسان : 30 ] وأما في النسب فلا « 6 » . قوله :
« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ »
أخبر تعالى أن أرفعهم منزلة عند اللّه أتقاهم . وقال قتادة في هذه الآية : أكرم الكرم التقوى وألأم اللّؤم الفجور . وقال عليه الصلاة والسلام - : « الحسب المال والكرم التّقوى » . وقال ابن عباس - ( رضي اللّه عنهما ) - : كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى . وعن أبي هريرة - ( رضي اللّه عنه « 7 » ) - قال : سئل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - : أيّ الناس أكرم ؟ قال : أكرمهم عند اللّه أتقاهم ، قالوا : ليس عن هذا نسألك قال : فأكرم الناس
هامش
( 1 ) تخفيفا . ( 2 ) تصبح هكذا : لتّعارفوا وهي شاذة وقد رويت في مختصر ابن خالويه 144 عن ابن كثير وابن محيصن ومجاهد وهكذا الشأن في البحر المحيط 8 / 116 . ( 3 ) البحر والمختصر المرجعين السابقين . ( 4 ) ولكن هكذا : لتتعرّفوا . ( 5 ) المراجع السابقة . وانظر أيضا الكشاف 3 / 569 وكلها شاذة . ( 6 ) وانظر الرازي 28 / 138 . ( 7 ) ما بين الأقواس زيادة من أكالعادة وقد أخرج البغوي في معالم التنزيل هذه الأحاديث ، أخرج الأول عن سمرة بن جندب ، والأخير عن يزيد بن الأصمّ عن أبي هريرة وانظر البغوي والخازن 6 / 230 و 231 .