تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
قوله :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ »
عطف على ما تقدم من الأوامر والنواهي أي اجتنبوا واتقوا اللّه
« إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ »
واعلم أنه تعالى ختم الآيتين بذكر التوبة فقال في الأولى :
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
وقال ههنا :
إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ
لكن لما كان الابتداء في الآية الأولى بالنهي في قوله : « و
لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ »
ذكر النفي الذي هو قريب من النهي وفي الثانية كان الابتداء بالأمر في قوله :
« اجْتَنِبُوا كَثِيراً »
فذكر الإثبات الذي هو قريب من الأمر . قوله تعالى :

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 13 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 ) قوله ( تعالى ) « 1 » :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى . . .
الآية هذه الآية مبينة ومقررة لما تقدم لأن السخرية من الغير والعيب « 2 » إن كان بسبب التفاوت في الدين والإيمان فهو جائز ، وكذلك لمزه وغيبته وإن لم يكن بسبب الدين والإيمان فلا يجوز ، لأنّ الناس بعمومهم كافرهم ومؤمنهم يشتركون فيما يفتخر به المفتخر ، لأن التكبر والافتخار إن كان بسبب الغنى فالكافر قد يكون غنيا والمؤمن فقيرا وبالعكس ، وإن كان بسبب النّسب فالكافر قد يكون نسيبا والمؤمن مولى لعبد « 3 » أسود وبالعكس فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون أو متقاربون ولا يؤثر شيء من ذلك مع عدم التقوى كما قال تعالى :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
فقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى
يعني كآدم أي أنكم متساوون في النسب فلا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أبناء رجل واحد وامرأة واحدة .

فصل [ فيمن نزلت الآية ]

قال ابن عباس ( رضي اللّه عنهما ) « 4 » نزلت في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يتفسح له : ابن فلانة فقال النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - من الذاكر فلانة ؟ قال ثابت : أنا يا رسول اللّه فقال : انظر في وجوه القوم فنظر ، فقال : ما رأيت يا ثابت ؟ قال : رأيت أبيض وأحمر وأسود ، قال : فإنك لا تفضلهم إلا في الدّين والتقوى ، فنزلت هذه الآية ونزل في الذي لم يتفسّح :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا »
« 5 » . وقال مقاتل : لما كان فتح مكة أمر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - بلالا حتى علا ظهر الكعبة
هامش
( 1 ) زيادة من أ . ( 2 ) في ب وعيبه . ( 3 ) في ب وعبد أسود . ( 4 ) زيادة من أو انظر الكلام الأعلى في تفسير الإمام 28 / 136 ، 137 . ( 5 ) البغوي والخازن في تفسيريهما 6 / 229 و 230 .