تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
حالا فهو كقول القائل : مررت بأخي زيد ( قائما ) ويريد كون زيد قائما . وذلك لا يجوز . قلنا : من أكل لحمه فقد أكل فصار الأخ مأكولا مفعولا بخلاف المرور بأخي زيد « 1 » .

فصل [ في التشبيه « أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً »

إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه ] في هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه لأنّ الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض كما يتألم جسمه من قطع اللحم . وهذا من باب القياس الظاهر ؛ لأن عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه فلما لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى ، لأن ذلك آلم . وقوله :
« لَحْمَ أَخِيهِ »
آكد في المنع ؛ لأن العدو يحمله الغضب على مضغ لحم العدوّ ، وفي قوله : « ميتا » إشارة إلى دفع وهم وهو أن يقال : الشّتم في الوجه يؤلم فيحرم وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلم فقال : آكل لحم الأخ وهو ميت أيضا لا يؤلمه ومع هذا فهو في غاية القبح لما أنّه لو اطلع عليه لتألم فإن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه ، وفيه معنى لطيف وهو أن الاغتياب بأكل لحم الآدميّ ميتا ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة ، والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي فلا يأكل لحم الآدميّ فكذلك المغتاب إن وجد لحاجته مدفعا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب « 2 » . قوله :
« فَكَرِهْتُمُوهُ »
قال الفراء : تقديره : فقد كرهتموه فلا تفعلوه « 3 » . وقال ابن الخطيب : الفاء في تقدير جواب كلام كأنه تعالى لما قال : أيحبّ للإنكار فكأنه قال : لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه فكرهتموه إذن « 4 » . وقال أبو البقاء : المعطوف عليه محذوف تقديره عرض عليكم ذلك فكرهتموه . والمعنى يعرض عليكم فتكرهونه « 5 » . وقيل : إن صح ذلك عندكم فأنتم ( أي ) تكرهونه « 6 » قال ابن الخطيب : هو كمتعلق المسبّب بالسبب وترقّبه عليه كقولك : جاء فلان ماشيا فتعب ، فقيل : هو خبر بمعنى الأمر كقولهم : « اتّقى اللّه امرؤ فعل خيرا يثب عليه » « 7 » . وقرأ أبو حيوة والجحدريّ : فكرّهتموه
هامش
( 1 ) فيجوز أن تقول : ضربت وجهه آثما ؛ أي وهو آثم أي صاحب الوجه كما أنك إذا ضربت وجهه فقد ضربته . الرازي المرجع السابق . ( 2 ) وانظر تفسير الإمام الفخر الرازي 28 / 134 و 135 . ( 3 ) قاله في معاني القرآن له 3 / 73 . ( 4 ) المرجع قبل السابق . ( 5 ) التبيان في إعراب القرآن 1171 . ( 6 ) نقله في المرجع السابق دون عزو لأحد . هذا وما بين القوسين زيادة على كتاب التبيان وعلى ذلك فقوله :« فَكَرِهْتُمُوهُ »جملة واقعة جواب شرط لشرط مع فعله محذوف . ( 7 ) البحر المحيط 8 / 115 وقد ذكر الوجه السابق أيضا صاحب الكشاف في كشافه 3 / 568 . وانظر الرازي 28 / 135 .