تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
وفيه نظر ؛ إذ لقائل أن يقول لا نسلم أن « ما » في قوله
« وَما تُخْفِي الصُّدُورُ »
مصدرية حتى يلزم ما ذكره ، بل يجوز أن يكون بمعنى الذي وهو عبارة عن نفس ذلك الشيء المخفى فيكون قد قابل الاسم غير المصدر بمثله ، والمراد بقوله :
« وَما تُخْفِي الصُّدُورُ »
أي تضمر القلوب « 1 » . واعلم أن الأفعال قسمان : أفعال الجوارح ، وأفعال القلوب ، وأما أفعال الجوارح فأخفاها خائنة الأعين واللّه عالم بها فكيف الحال في سائر الأعمال ، وأما أفعال القلوب فهي معلومة للّه تعالى لقوله
« وَما تُخْفِي الصُّدُورُ »
فدل هذا على كونه عالما بجميع أفعالهم . قوله
« وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ »
وهذا أيضا يوجب عظم الخوف لأن الحاكم إذا كان عالما بجميع الأحوال وثبت أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ما دق وجل كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى . قوله :
« وَالَّذِينَ يَدْعُونَ »
، قرأ نافع وهشام تدعون بالخطاب للمشركين والباقون بالغيبة ، إخبارا عنهم بذلك « 2 » . واعلم أن الكفار إنما عولوا في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام فبين اللّه تعالى أنه لا فائدة فيها البتة ، فقال :
« وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ »
ثم قال :
« إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
أي يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام ، ولا يسمع ثناءهم على اللّه ويبصر خضوعهم وسجودهم ، ولا يبصر خضوعهم وتواضعهم للّه . قوله تعالى :

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 21 إلى 22 ]

أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ( 21 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 22 ) ولما بالغ في تخويفهم بأحوال أهل الآخرة أردفه ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال
« أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ »
والمعنى أن العاقل من اعتبر بغيره ، فإن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء الحاضرين من الكفار ، وأقوى آثارا في الأرض أي حصونهم وقصورهم وعساكرهم ، فلما كذبوا رسلهم أهلكهم اللّه عاجلا حتى إن هؤلاء الجاحدين « 3 » من الكفار شاهدوا تلك الآثار
هامش
( 1 ) هذا رد السمين على الزمخشري نقله المؤلف عنه وهو رأي وجيه حيث لا داعي لهذا الإلزام الذي فرضه الزمخشري انظر الدر 4 / 686 . ( 2 ) في السبعة 567 وإبراز المعاني 671 . ( 3 ) في ب كذلك وفي الرازي الحاضرين .