تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
وهذا مالكا وهذا مملوكا ، كما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق كما شئنا ، كذلك اصطفينا بالرسالة من شئنا
« وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ »
في القوة والضعف ، والعلم ، والجهل ، والغنى ، والفقر لأن لو سويناهم في كل هذه الأحوال ، لم يخدم أحد أحدا ، ولم يصر أحد منهم مسخّرا لغيره . وحينئذ يخرب العالم ويفسد نظام الدنيا . وقوله :
« لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا »
أي ليستخدم بعضهم بعضا ، فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش هذا بماله وهذا بأعماله فيلتئم قوام العالم « 1 » . وقد مضى الكلام في سخريا في المؤمنين « 2 » . وقرأ بالكسر هنا عمرو بن ميمون ، وابن محيصن ، وأبو رجاء وابن أبي ليلى ، والوليد بن مسلم « 3 » ، وخلائق بمعنى المشهورة وهو الاستخدام . ويبعد قول بعضهم : إنه استهزاء الغنيّ بالفقير « 4 » . ثم قال : « و
رَحْمَتَ رَبِّكَ »
يعني الجن ة « خير للمؤمنين » مما يجمع الكفار من الأموال . قوله تعالى :

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 33 إلى 35 ]

وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 ) قوله تعالى :
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً . . .
اعلم أنه تعالى أجاب ههنا بوجه ثالث عن شبهتهم بتفضيل الغني على الفقير ، وهو أنه تعالى بين أن منافع الدنيا وطيباتها حقيرة خسيسة عند اللّه تعالى وبين حقارتها بقوله :
« وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً »
والمعنى لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة من الخير والرزق لأعطيتهم أكثر الأسباب المفيدة للنعم فأحدها : أن يكون سقفهم من فضّة . وثانيها : معارج عليها يظهرون أي يعلون ويرتقون ، يقال : ظهرت علسى السّطح إذا علوته « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر القرطبي 16 / 83 . ( 2 ) عند قوله :فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَالآية 110 من المؤمنين وكل الناس ضموا سخريّا عدا ابن محيصن ومجاهد كما قال القرطبي 16 / 83 وأخبر المؤلف أعلى أن ممن كسرها أبو رجاء وابن أبي ليلى والوليد بن مسلم وأبو رجاء ، وعمرو بن ميمون وابن عامر ، وهذا نقلا عن البحر المحيط 8 / 13 والدر المصون 4 / 780 وقراءة الكسر قراءة شاذة غير متواترة . ( 3 ) أبو العباس ، وقيل : أبو بشر الدمشقي عالم أهل الشام روى عن نافع بن أبي نعيم وغيره ، وروى عنه إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره مات سنة 19 ه . انظر غاية النهاية 2 / 360 . ( 4 ) نقله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه 4 / 410 وكذلك القرطبي 16 / 83 . ( 5 ) القرطبي السابق وانظر غريب القرآن 397 .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 255 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب