تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وقرأ طلحة : من الذّلّ - بكسر « 1 » الذال - وقد تقدم الفرق بين الذّل والذّل « 2 » و
« مِنَ الذُّلِّ »
يتعلق بخاشعين أي من أجل . وقيل : هو متعلق بينظرون « 3 » . وقوله : « من طرف » يجوز في « من » أن تكون لابتداء « 4 » الغاية ، وأن تكون « 5 » تبعيضية وأن تكون بمعنى الباء « 6 » ، والظرف قيل : يراد به العضو وقيل : يراد به المصدر يقال : طرفت عينه تطرف طرفا أي ينظرون نظرا خفيّا « 7 » .

فصل [ في معنى قوله : « وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ . . . »

] اعلم أنه ذكر حالهم عند عرضهم على النار ، فقال : خاشعين أي خاضعين حقيرين بسبب ما لحقهم من الذل يسارقون النظر إلى النار خوفا منها وذلة في أنفسهم ، كما ينظر المقتول إلى السيف فلا يقدر أن يملأ عينيه منه ، ولا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها ، وإذا كانت من بمعنى الباء أي بطرف خفي ضعيف من الذل . فإن قيل : إنه قال في صفة الكفار : إنهم يحشرون عميا فكيف قال هاهنا إنهم ينظرون من طرف خفي ؟ ! فالجواب : لعلهم يكونون في الابتداء هاهنا « 8 » ثم يصيرون عميا ، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم آخرين . وقيل : معنى ينظرون من طرف خفيّ أي ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا والنظر بالقلب خفيّ . ولما وصف اللّه تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال :
« وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
وقيل : خسروا أنفسهم بأن صاروا إلى النار وأهليهم بأن صاروا لغيرهم إلى الجنة . وهذا القول يحتمل أن يكون واقعا في الدنيا ، وإما أن يقولوه يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة ، ثم قال :
« أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ »
أي دائم . قال القاضي : هذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب : أن لفظ الظالم المطلق في القرآن مخصوص بالكافر قال تعالى :
« وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ »
والذي يؤكد هذا قوله تعالى بعد هذه الآية :
« وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ »
والمعنى أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لتشفع لهم عند اللّه تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة وهذا لا يليق إلا بالكافر « 9 » .
هامش
( 1 ) البحر المحيط 7 / 524 . ( 2 ) والذّل هو ضد العز والذّل فهو للحيوان . ( 3 ) انظر الكشاف 3 / 474 . ( 4 ) قال الزمخشري أن يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم السابق . ( 5 ) نقله أبو حيان وعنه نقل السمين وعنه نقل المؤلف عن قتادة . البحر المحيط 7 / 524 . ( 6 ) نقله الأخفش في معانيه عن يونس ، قال : وقال يونس إن « من طرف » مثل بطرف كما تقول العرب : ضربته في السّيف وبالسّيف » معاني الأخفش 687 . ( 7 ) البحر المحيط 7 / 524 والدر 4 / 765 . ( 8 ) في ب بدل ههنا هكذا ، وكذا هي في الرازي . ( 9 ) انظر الرازي 27 / 182 .