تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
« فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ »
قال مجاهد : يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشقّ عليك أذاهم وقولهم : إنه مفتر كذاب ، وقال قتادة : يعني يطبع على قلبك فينسيك « 1 » القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على اللّه كذبا لفعل به ، وما أخبر في هذه الآية « 2 » فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب إلّا من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد ، ومثاله : أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين : لعل اللّه أعمى قلبي ، وهو لا يريد إثبات الخذلان ولا عمى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق اللّه تعالى الخيانة عنه « 3 » . قوله تعالى :
« وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ »
هذا مستأنف غير داخل في جزاء الشرط ؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقا ، وسقطت الواو منه لفظا لالتقاء الساكنين في الدّرج ، وخطّا حملا للخطّ على اللفظ كما كتبوا :
سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ
[ العلق : 18 ] عليه ، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن وقف عليه بالأصل - وهو الواو - خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها موافقا للرسم خالفنا الأصل « 4 » . وتقدّم بحث مثل هذا . وقد منع مكيّ الوقف على نحو :
وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ
[ غافر : 9 ] . وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير مجازه واللّه يمح الباطل فهو في محل رفع ، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملا على اللفظ كما حذفت من قوله :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ
[ الإسراء : 11 ]
سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ
[ العلق : 18 ] .

فصل [ في معنى قوله : « فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »

] أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه اللّه
« وَيُحِقُّ الْحَقَّ »
أي الإسلام بكلماته ، أي بما أنزل اللّه تعالى من كتاب ، وقد فعل اللّه ذلك فمحى باطلهم ، وأعلى كلمة الإسلام
« إِنَّهُ عَلِيمٌ »
بما في صدرك وصدورهم ، قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : لما نزلت
« قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى »
وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا : يريد أن يحثنا « 5 » على أقاربه من بعده ، فنزل جبريل فأخبره أنهم اتهموه فأنزل اللّه هذه الآية فقال القوم يا رسول اللّه « 6 » : ( ف ) « 6 » إنا نشهد أنك صادق فنزل :
« وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ »
قال ابن عباس : يريد أولياءه وأهل طاعته « 7 » . قال الزمخشري : يقال « 8 » : قبلت منه الشيء وقبلته عنه .
هامش
( 1 ) انظر البغوي وفي ب فيسرك والتصحيح من البغوي . ( 2 ) انظر البغوي 6 / 123 . ( 3 ) الرازي 27 / 167 و 168 . ( 4 ) قاله شهاب الدين السمين في الدر المصون 4 / 755 . ( 5 ) تصحيح من البغوي 6 / 123 ، وفي ب يخشى . ( 6 ) زيادة من ب عن البغوي . ( 7 ) انظر البغوي 6 / 123 . ( 8 ) الكشاف 3 / 468 .