تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
قوله تعالى :
« شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ . . . »
الآية لمّا عظم وحيه إلى محمد - عليه الصّلاة والسّلام - بقوله :
« كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال :
« شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً »
أي بين لكم من الدين يا أصحاب محمد ما وصى به نوحا وهو أول أنبياء الشريعة . قال مجاهد « 1 » : أوصيناك وإياه يا محمد دينا واحدا
« وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ »
من القرآن وشرائع الإسلام
« ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى »
إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم كانوا أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة « 2 » . واختلفوا في الموصى به ، فقال قتادة : تحليل الحلال وتحريم الحرام ، وقال الحكم : تحريم الأمهات والبنات والأخوات . وقال مجاهد : لم يبعث اللّه تعالى نبيا إلا وهداه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، والإقرار للّه بالطاعة ، فذلك دينه الذي شرع لهم . وقيل : هو التوحيد والبراءة من الشرك . وقيل : هو ما ذكر من بعد في قوله :
« أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ »
بعث الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة « 3 » .

فصل [ : قال ابن الخطيب في لفظ الآية : « ما وَصَّى بِهِ نُوحاً . . . »

إشكالات ] قال ابن الخطيب : في لفظ الآية إشكالات : أحدها : قال في أول الآية :
« ما وَصَّى بِهِ نُوحاً »
وفي آخرها
« وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ »
وفي وسطها
« وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ »
فما فائدة هذا التفاوت ؟ وثانيها : ذكر نوحا على سبيل الغيبة فقال :
« ما وَصَّى بِهِ نُوحاً »
وقال
« وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ »
. وثالثها : تقدير الآية شرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك . وهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد ، وهو مشكل ، وهذه مضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها بالجملة « 4 » . واعلم أن المقصود من الآية أن يقال : شرع لكم من الدين دينا تطابقت الأنبياء على صحته ، فيجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئا مغايرا للتكاليف والأحكام ؛ لأنها مختلفة متفاوتة ، قال تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة : 48 ] فوجب أن يكون المراد منه ( الأمور ) « 5 » التي لا تختلف باختلاف الشرائع ، وهو الإيمان باللّه ، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ( وأصول الدين ) « 6 » .
هامش
( 1 ) البغوي السابق . ( 2 ) الرازي السابق 27 / 154 . ( 3 ) انظر البغوي السابق والقرطبي 16 / 10 . ( 4 ) في الرازي وبالجملة فالمقصود من الآية . . الخ . ( 5 ) سقط من ب . ( 6 ) زيادة عن الرازي وانظر تفسيره 27 / 156 .