تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
وقوله :
« وَيُؤْمِنُونَ بِهِ »
فيه سؤال « 1 » وهو أن يقال : ما الفائدة في قوله
« وَيُؤْمِنُونَ بِهِ »
مع أن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا بعد سبق الإيمان باللّه ؟ وأجاب الزمخشري : بأن المقصود منه التنبيه على أن اللّه تعالى لو كان حاضرا لكان حملة العرش والحافون بالعرش يشاهدونه ويعاينونه ، ولو كان كذلك لما كان إيمانهم بوجود اللّه موجبا للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء ، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وبكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء ؟ فلما ذكر اللّه سبحانه وتعالى إيمانهم باللّه على سبيل المدح والثناء والتعظيم دل على أنهم إنما آمنوا به مع أنهم ما شاهدوه حاضرا جالسا هناك . قوله :
« وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا »
اعلم أن كمال السعادة بأمرين : أحدهما : التعظيم لأمر اللّه . والثاني : الشفقة على خلق اللّه ، ويجب أن يكون التعظيم لأمر اللّه مقدما على الشفقة على خلق اللّه ، فقوله تعالى :
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ
مشعر بالتعظيم لأمر اللّه ، وقوله
« وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا »
مشعر بالشفقة على خلق اللّه ، واحتج كثير من العلماء بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر ؛ لأنها دلت على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر اللّه تعالى بالثناء والتقدير اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون وهذا يدل على أنهم مستغنون بأنفسهم ؛ إذ لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لاستغفروا لأنفسهم أولا ، لقوله - صلّى اللّه عليه وسلم - « ابدأ بنفسك » « 2 » ولقوله تعالى لمحمد - عليه الصلاة والسلام -
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
[ محمد : 19 ] وقال « 3 » عن نوح - عليه الصلاة والسلام -
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
[ نوح : 28 ] وهذا يدل على أن من كان محتاجا إلى الاستغفار ( فإنه يقدم الاستغفار « 4 » لنفسه على الاستغفار لغيره والملائكة لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار ) لاستغفروا لأنفسهم أولا ثم استغفروا لغيرهم ، ولما لم يذكر اللّه تعالى استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم لم يكونوا محتاجين إلى الاستغفار ، وأما الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فهم كانوا محتاجين إلى الاستغفار لقوله تعالى لمحمد - عليه الصلاة والسلام -
« وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ »
فظهر أن الملك أفضل من البشر واللّه أعلم « 5 » . قوله « ربّنا » معمول لقول مضمر تقديره يقولون ربنا ، والقول المضمر في محل
هامش
( 1 ) نقله الرازي في تفسيره 27 / 32 ، 33 عن الزمخشري في الكشّاف 3 / 415 ، 416 . ( 2 ) الحديث ذكره وأخرجه مسلم في صحيحه باب الزكاة 41 والرازي 27 / 33 . ( 3 ) في ب والرازي : وحكى عن نوح . ( 4 ) ما بين القوسين كله سقط من نسخة ب بسبب انتقال النظر . ( 5 ) انظر في هذا تفسير الإمام الفخر الرازي 27 / 33 .