فالجواب : هذا ورد على قانون قولنا : اللّه أكبر « 1 » ، ثم قال :
« وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ »
والمعنى أنهم يعرفون أنها حق ولكنهم يجحدونها كما يجحد المودع الوديعة « 2 » .
واعلم أنّ نظم الكلام أن يقال : أما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وكانوا بآياتنا يجحدون ، وأما قولهم : من أشد منا قوة أو لم يروا أن اللّه الذي خلقهم هو أشد منهم قوة « 3 » اعتراض وقع في البين « 4 » لتقرير السبب الداعي لهم إلى الاستكبار .
قوله تعالى :
[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 16 إلى 19 ]
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16 ) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 ) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 18 ) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 19 )
قوله :
« فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً »
الصّرصر : الريح الشديدة ، فقيل : هي الباردة من الصّرّ وهو البرد « 5 » ، وقيل : هي الشديدة السّموم « 6 » ، وقيل : هي المصوّتة « 7 » من صرّ الباب أي سمع صريره . والصّرّة : الصّيحة ومنه :
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ
[ الذارايات : 29 ] قال ابن قتيبة « صرصر » يجوز أن يكون من الصّرّ وهو البرد ، وأن يكون من صرّ الباب ، وأن يكون من الصّرّة ومنه :
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ
« 8 » [ الذاريات : 29 ] .
وقال الراغب : صرصر لفظه من الصّر وذلك يرجع إلى الشد لما في البرودة من التعقيد « 9 » .
قوله : في أيّام نحسات قرأ الكوفيون وابن عامر بكسر الحاء والباقون بسكونها « 10 » .
هامش
( 1 ) أي أن أفعل ليست للتفضيل فهو هنا بمعنى كبير كالبيت المشهور : « وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن بأعجلهم . . . . البيت » .
( 2 ) قاله الرازي 27 / 112 والزمخشري في الكشاف 3 / 449 .
( 3 ) من لفظ « بين » الظرفية .
( 4 ) الرّازي السابق .
( 5 ) نقله القرطبيّ عن عكرمة وسعيد بن جبير .
( 6 ) نقله أيضا عن مجاهد وانظر القرطبي 5 / 349 والبحر 7 / 490 .
( 7 ) هذا قول أبي عبيدة في المجاز 2 / 197 .
( 8 ) لم أجد هذا بعينه لابن قتيبة في الغريب أو تأويل المشكل ومما وجدته عنه أنه فسر الصّر بالبرد والصرة بالصيحة وهنا الصرصر بالشديدة وانظر غريب القرآن لابن قتيبة 109 و 421 و 388 ، وانظر أيضا اللسان صرر ، ومعاني القرآن للزّجاج 4 / 382 .
( 9 ) مفردات القرآن 279 .
( 10 ) من القراءة المتواترة وذكرها ابن مجاهد في السبعة 576 ، وابن الجزري في النشر 2 / 366 وتقريبه 170 .