يتأول كلامه على أنه أراد أنّ ثمّ محذوفا والتقدير : بشيرا بالوعد الحقّ ونذيرا بالوعيد الحقّ « 1 » ، قال شهاب الدين : قد صرح الرجل بهذا « 2 » .
قوله :
« وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ »
أي وما من أمّة فيما مضى . وقوله :
« إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ »
خبر
« مِنْ أُمَّةٍ » .
ومعنى « خلا » أي سلف فيها نذير نبي منذر . وحذف من هذا ما أثبته في الأول ، إذ التقدير : إلّا خلا فيها نذير وبشير « 3 » .
قوله :
« وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ »
أي الكتب
« وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ »
أي الواضح . وكرر ذكر الكتاب بعد ذكر الزبر على طريق التأكيد . وقيل : البينات المعجزات ، والزبر : هي الكتب التي فيها مواعظ وشبهات لا تحتمل النّسخ . والمراد بالكتاب المنير الشريعة والأحكام الموافقة « 4 » للحكمة الإلهية وهي المحتملة للنسخ . وهذا تسلية للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - حيث يعلم أن غيره كان مثله محتملا لأذى القوم وأن غيره أيضا أتاهم بمثل ذلك فكذبوه وآذوه وصبروا على تكذيبهم
« ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ »
؟ وهذا سؤال تقرير فإنهم علموا شدة إنكار اللّه عليهم واستئصالهم « 5 » .
قوله تعالى :
[ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 27 إلى 38 ]
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ ( 27 ) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ( 28 ) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ( 29 ) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ( 30 ) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 31 )
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 32 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 33 ) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ( 34 ) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ( 35 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ( 36 )
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ( 37 ) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 38 )
هامش
( 1 ) قاله في البحر 7 / 310 مع تقديم وتأخير ففيه : « بالوعد الحق بشيرا وبالوعيد الحق نذيرا » .
( 2 ) الدر المصون 4 / 476 أي صرح في الكشاف المرجع السابق .
( 3 ) معنى كلام أبي حيان ولفظ السمين . انظر المرجعين السابقين .
( 4 ) في « ب » الواقعة . خطأ .
( 5 ) وانظر : معالم التنزيل للبغوي 5 / 301 وتفسير الرازي 26 / 18 .