تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
طالب - رضي اللّه عنه « 1 » - قال : لما نزلت هذه الآية على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم -
« وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »
دعاني رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : « يا عليّ ، إنّ اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، وضقت بذلك ذرعا ، وعرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمت عليها حتى جاءني جبريل فقال : يا محمد ، إلّا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك ، فاصنع لنا صاعا من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واملأ لنا عسّا « 2 » من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به » . ففعلت ما أمرني به ، ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا ، يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه : أبو طالب ، وحمزة ، والعباس ، وأبو لهب ، فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعت ، فجئت به ، فلما وضعته تناول رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - جذبة « 3 » من اللحم ، فشقها بأسنانه ، ثم ألقاها في نواحي الصحفة ، ثم قال : خذوا باسم اللّه ، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة ، وأيم اللّه إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم ، ثم قال : اسق القوم . فجئت بذلك العسّ فشربوا حتى رووا جميعا ، وأيم اللّه إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله ، فلما أراد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يكلمهم بدره « 4 » أبو لهب فقال : سحركم صاحبكم . فتفرق القوم ، ولم يكلمهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : الغد يا علي ، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فأعدّ لنا من الطعام مثل ما صنعت ثم اجمعهم ففعلت ، ثم دعاني بالطعام فقدمته ، ففعل كما فعل بالأمس ، فأكلوا وشربوا ، ثم تكلم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : يا بني عبد المطلب : إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني « 5 » على أمري ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم « 6 » القوم عنها جميعها ، فقلت وأنا أحدثهم سنّا : أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه ، قال : فأخذ برقبتي ثم قال : إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع « 7 » .
هامش
( 1 ) في ب : كرم اللّه وجهه . ( 2 ) العسّ : القدح الضخم ، وقيل : هو أكبر من الغمر ، وهو إلى الطول ، يروي الثلاثة والأربعة والعدّة ، والرّفد أكبر منه والجمع عساس وعسسة . اللسان ( عسس ) . ( 3 ) الجذبة : القطعة . ففي اللسان ( جذب ) : يقال : بيني وبين المنزل جذبة أي : قطعة ، يعني : بعد ، ويقال : جذبة من غزل ، للمجذوب منه مرة . ( 4 ) بدرت إلى الشيء أبدر بدورا : أسرعت ، وكذلك بادرت إليه ، وتبادر القوم أسرعوا ، وابتدروا السلاح : تبادروا إلى أخذه ، وبادر الشيء مبادرة وبدارا وابتدره وبدر غيره إليه يبدره : عاجله ، وبدرني الأمر وبدر إليّ : عجل إليّ واستبق . اللسان ( بدر ) . ( 5 ) وازره على الأمر : أعانه وقواه . اللسان ( وزر ) . ( 6 ) أحجم عن الأمر : كف أو نكص هيبة . اللسان ( حجم ) . ( 7 ) أخرجه ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو نعيم ، والبيهقي . انظر البغوي 6 / 244 - 245 ، الدر المنثور 5 / 97 .