وقرأ اليمانيّ : « وأتباعك » بالجر « 1 » عطفا على الكاف في « ذلك » ، وهو ضعيف أو ممنوع عند البصريين « 2 » ، وعلى هذا فيرتفع « الأرذلون » على خبر ابتداء مضمر ، أي : هم الأرذلون « 3 » وقد تقدم مادّة « الأرذل » « 4 » في هود « 5 » .
فصل [ في المراد بقوله : « وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ »
]
الرذالة : الخسّة والذّلة ، وإنما استرذلوهم لاتّضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا .
وقيل : كانوا من « 6 » أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة « 7 » والحجامة « 8 » .
وهذه الشبهة في غاية الركاكة ، لأن نوحا - عليه السلام « 9 » - بعث إلى الخلق كافة ، فلا يختلف الحال بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب وخستها ، فأجابهم نوح عنه بالجواب الحق ، وهو قوله :
« وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ »
« 10 » أي : ما أعلم أعمالهم وصنائعهم ، وليس عليّ من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء ، إنما كلّفت أن أدعوهم إلى اللّه ولي منهم ظاهر أمرهم « 11 » .
قوله :
« وَما عِلْمِي »
يجوز في « ما » « 12 » وجهان :
أظهرهما : أنها استفهامية في محل رفع بالابتداء ، و « علمي » خبرها « 13 » ، والباء متعلقة به .
والثاني : أنها نافية ، والباء متعلقة ب « علمي » أيضا ، قاله الحوفي « 14 » . ويحتاج إلى إضمار خبر ليصير الكلام به ( جملة ) « 15 » « 16 » .
هامش
( 1 ) البحر المحيط 7 / 31 .
( 2 ) ووجه ضعفه عند البصريين أو امتناعه أنه لا بد من إعادة حرف الجر مع المعطوف وحجتهم في ذلك أن الجار مع المجرور بمنزلة شيء واحد ، فإذا عطفت على الضمير المجرور - والضمير إذا كان مجرورا اتصل بالجار ، ولم ينفصل منه ، ولهذا لا يكون إلا متصلا ، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب - فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف الجار ، وعطف الاسم على الحرف لا يجوز . وأجاز ذلك الكوفيون محتجين بقراءة حمزة في أول سورة النساء :وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَبجر « الأرحام » عطفا على الهاء في « به » . انظر الإنصاف المسألة ( 65 ) 2 / 463 - 474 .
( 3 ) انظر البحر المحيط 7 / 31 .
( 4 ) في ب : الأرذلون .
( 5 ) عند قوله تعالى :وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ[ 27 ] .
( 6 ) من : سقط من ب .
( 7 ) حاك الثوب يحوكه حوكا وحياكا وحياكة : نسجه . اللسان ( حوك ) .
( 8 ) الحجامة : حرفة الحجام ، والحجّام : محترف الحجامة . المعجم الوسيط ( حجم ) وانظر الكشاف 3 / 120 ، الفخر الرازي 24 / 155 .
( 9 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 10 ) انظر الفخر الرازي 24 / 155 .
( 11 ) انظر البغوي 6 / 227 .
( 12 ) في ب : فيه .
( 13 ) قال الزمخشري : ( « وما علمي » أيّ شيء علمي ) الكشاف 3 / 120 .
( 14 ) انظر البحر المحيط 7 / 31 .
( 15 ) المرجع السابق ، وهو اعتراض أبي حيان .
( 16 ) ما بين القوسين في ب : جملة اسمية .