وأنه سبحانه - وإن أنعم بها ، فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب « 1 » . ثم قال :
« وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ »
أي : تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان ، ووجه النعمة بذلك معلوم . قال الفراء : جعلهما مختلفين « 2 » يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض « 3 » . ثم قال :
« أَ فَلا تَعْقِلُونَ »
قرأ أبو عمرو في روآية يعقوب : بياء الغيبة على الالتفات « 4 » والمعنى : ا فلا تعقلون ما ترون صنعه فتعتبرون .
قوله تعالى :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 81 إلى 83 ]
بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ ( 81 ) قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 82 ) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 83 )
قوله تعالى :
« بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ »
أي : كذبوا كما كذب الأولون
« قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ »
لمحشورون ، قالوا ذلك منكرين متعجبين .
واعلم أنه - سبحانه - لما أوضح دلائل التوحيد عقبه بذكر المعاد ، فذكر إنكارهم البعث مع وضوح أدلته ، وذكر أن إنكارهم ذلك تقليد للأولين ، وذلك يدل على فساد القول بالتقليد « 5 » ثم حكى قولهم :
« لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ »
كأنهم قالوا إن هذا الوعد كما وقع منه - عليه السلام « 6 » - فقد وقع قديما من سائر الأنبياء ثم لم يوجد مع طول العهد ، وظنوا أن الإعادة تكون في الدنيا ، ثم قالوا : لما لم يكن ذلك فهو من أساطير الأولين . والأساطير جمع أسطار ، وهي جمع سطر « 7 » ، أي : ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له ، أو جمع أسطورة « 8 » .
قوله تعالى :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 84 إلى 90 ]
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 87 ) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 88 )
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ( 89 ) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 90 )
قوله تعالى :
« قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها »
الآية . اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود
هامش
( 1 ) المرجع السابق .
( 2 ) معاني القرآن 2 / 240 .
( 3 ) انظر البغوي 6 / 33 .
( 4 ) المختصر ( 98 ) ، البحر المحيط 6 / 418 .
( 5 ) انظر الفخر الرازي 23 / 116 .
( 6 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 7 ) أي : أن « أساطير » جمع الجمع . وجمع الجمع - سواء أكان جمع قلة أم كثرة - ليس قياسا على مذهب سيبويه ، ولا يجمع منها إلا ما جمع العرب ، وأيده السيرافي والجرمي وابن عصفور واختاره الرضي .
ويرى كثير من النحاة أن جموع القلة يجوز جمعها قياسا لأنه قد ورد عن العرب منه قدر صالح للقياس عليه كالأيدي ، والأيادي ، والأسلحة والأسالح ، والأقاول والأقاويل .
الكتاب 3 / 618 - 621 ، شرح الشافية 2 / 208 - 210 ، الهمع 2 / 183 - 184 .
( 8 ) انظر الفخر الرازي 23 / 116 .