ومنها : أنّ معرفة اللّه يجب أن تكون استدلالية لا تقليدية ، وإلّا لكان ذكر هذه الدلائل عبثا « 1 » .
قوله تعالى :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 18 إلى 20 ]
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ( 18 ) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 19 ) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ( 20 )
قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ
الآية ، لما استدل أولا على كمال القدرة بخلق الإنسان ، ثم استدل ثانيا بخلق السماوات ، استدلّ ثالثا بنزول الأمطار ، وكيفية تأثيرها في النبات . واعلم أنّ الماء في نفسه نعمة ، وهو مع ذلك سبب لحصول « 2 » النعم ، فلا جرم ذكره اللّه أولا ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانيا « 3 » .
قال أكثر المفسرين « 4 » : إنه تعالى ينزل الماء في الحقيقة من السماء لظاهر الآية ، ولقوله :
« وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ »
« 5 » . وقال بعضهم : المراد بالسماء السحاب ، وسماه سماء لعلوه ، والمعنى : أنّ اللّه صعد الأجزاء المائية من قعر الأرض ، ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد ، ثم إن تلك الذرّات تأتلف وتتكون ثم ينزله اللّه على قدر الحاجة إليه ، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها في « 6 » قعر الأرض ، ولا بماء البحر لملوحته ، ولأنه لا حيلة في إجراء مياه البحار على وجه الأرض ، لأنّ البحار هي الغاية في العمق ، وهذه الوجوه التي « 7 » يتحملها من ينكر الفاعل المختار ، فأمّا من أقرّ به فلا حاجة به إلى شيء منها « 8 » .
وقوله : « بقدر » قال مقاتل : بقدر ما يكفيهم للمعيشة « 9 » من الزرع والغرس والشرب ، ويسلمون معه من المضرة .
وقوله :
« فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ »
قيل : جعلناه ثابتا في الأرض ، قال ابن عباس : أنزل اللّه تعالى من الجنة خمسة أنهار سيحون « 10 » وجيحون « 11 » ودجلة والفرات « 12 » والنيل « 13 » أنزلها من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل -
هامش
( 1 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 88 - 89 .
( 2 ) في ب : في حصول .
( 3 ) انظر الفخر الرازي 23 / 89 .
( 4 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 89 .
( 5 ) [ الذاريات : 22 ] .
( 6 ) في الأصل : من . وهو تحريف .
( 7 ) في ب : السماء . وهو تحريف .
( 8 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 89 .
( 9 ) البغوي 6 / 13 .
( 10 ) سيحون : نهر بالهند . اللسان ( سيح ) .
( 11 ) جيحون : نهر بلخ ، وهو فيعول ، قال ابن بري : يحتمل أن يكون وزن ( جيحون ) فعلون مثل زيتون وحمدون . اللسان ( جحن ) .
( 12 ) هما نهرا العراق .
( 13 ) وهو نهر مصر .