وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ »
« 1 » فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة فكأنه تعالى قال : إني عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها . وقيل : إنه تعالى وإن ضمن له النصر على الباغي لكنه عرض مع ذلك بما هو أولى وهو العفو والمغفرة ، فلوّح بذكر هاتين الصفتين .
وفيه وجه آخر وهو أنه تعالى دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده « 2 » .
قوله :
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ »
وفيه وجهان :
الأول : أي : ذلك النصر بسبب أنه قادر ، ومن قدرته كونه خالقا لليل والنهار ومتصرفا فيهما ، فوجب أن يكون قادرا عالما بما يجري فيهما ، وإذا كان كذلك كان قادرا على النصر .
الثاني : المراد أنه مع ذلك النصر ينعم في الدنيا بما يفعله من تعاقب الليل والنهار وولوج أحدهما في الآخر « 3 » . ومعنى إيلاج أحدهما في الآخر أنه يحصل ظلمة هذا في ضياء ذلك بغيبوبة الشمس وضياء ذلك في ظلمة هذا بطلوعها كما يضيء البيت بالسراج ويظلم بفقده .
وقيل هو أن يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات « 4 » . و « ذلك » مبتدأ و
« بِأَنَّ اللَّهَ »
خبره ، ثم قال :
« وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ »
أي : أنه كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره ، فكذلك يدرك المسموع والمبصر ، ولا يجوز المنع عليه ، وذلك كالتحذير من الإقدام على ما لا يجوز في المسموع والمبصر « 5 » .
قوله :
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ »
الآية . قرأ العامة « وأن ما » عطفا على الأول « 6 » .
والحسن بكسرها استئنافا « 7 » . وقوله :
« هُوَ الْحَقُّ »
يجوز أن يكون فصلا ومبتدأ .
وجوّز أبو البقاء أن يكون توكيدا « 8 » . وهو غلط لأن المضمر لا يؤكد المظهر « 9 » ، ولكان صيغة النصب أولى به من الرفع فيقال : إياه ، لأن المتبوع منصوب . وقرأ الأخوان
هامش
( 1 ) [ الشورى : 43 ] .
( 2 ) انظر الفخر الرازي 23 / 61 .
( 3 ) المرجع السابق .
( 4 ) المرجع السابق .
( 5 ) المرجع السابق .
( 6 ) انظر البحر المحيط 6 / 384 .
( 7 ) المرجع السابق .
( 8 ) التبيان 2 / 947 .
( 9 ) وذلك لأن المظهر لا يؤكد إلا بظاهر ، ولا يؤكد بمضمر فلا تقول : جاءني زيد هو ، ولا مررت بزيد هو ، لأنه يشترط في المؤكد أن لا يكون أعرف من المؤكد ، والمضمر أعرف من المظهر فلم يجز أن يكون توكيدا له . وأيضا فإن الغرض من التوكيد الإيضاح والبيان وإزالة اللبس ، والمضمر أخفى من الظاهر فلا يصلح أن يكون مبينا له . ابن يعيش 3 / 42 .