تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
منك شرا فأخرك . فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا ، فقال لهم : ماذا عندكم من القوة ؟ فقال عفريت آخر : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت روحه . فقال له إبليس : فأت الغنم ورعاتها ، فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاتها ، ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي ، فقال له مثل القول الأول ، فرد « 1 » عليه أيوب الرد الأول . فرجع إبليس صاغرا إلى أصحابه ، فقال لهم : ما عندكم من القوة فإني لم أكلم قلب أيوب ؟ فقال عفريت آخر : عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحا عاصفا أقلع « 2 » كل شيء أتيت عليه . فقال : اذهب إلى الحرث والفدادين ، فأتاهم ، فأهلكهم « 3 » . ثم أتى إبليس متمثلا إلى أيوب ، فقال « 4 » مثل قوله ، فرد عليه أيوب الرد الأول . وكلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد اللّه وأحسن الثناء عليه ورضي عنه بالقضاء ، ووطن نفسه بالصبر على البلاء حتى لم يبق له مال . فلما رأى إبليس صبره على ذلك وقف الموقف الذي كان يقفه عند اللّه . فقال : إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بولده ، فأنت معطيه المال فهل أنت مسلطي على ولده فإنها المعصية التي لا تقوم لها قلوب الرجال ؟ قال اللّه تعالى : انطلق فقد سلطتك على ولده . فأتى أولاد أيوب في قصرهم فلم يزل يزلزله بهم من قواعده حتى قلب القصر عليهم . ثم جاء أيوب متمثلا بالمعلم الذي يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ « 5 » الوجه والرأس يسيل دمه ودماغه ، فقال : لو رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤسهم لتقطع قلبك ، فلم يزل يقول هذا ونحوه ويرققه حتى رقّ أيوب - عليه السلام « 6 » - وبكى وقبض قبضة من التراب ووضعها على رأسه ، وقال : ليت أمي لم تلدني ، فاغتنم إبليس ذلك وصعد سريعا ، ووقف موقفه . ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر ، وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته ، فسبقت توبته إلى اللّه - تعالى - وهو أعلم . فوقف إبليس ذليلا فقال : يا إلهي إنما هوّن على أيوب المال والولد لعلمه أنه يرى أنك متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد ، فهل أنت مسلطي على جسده ؟ فقال اللّه - عزّ وجلّ « 7 » - انطلق فقد سلطتك على جسده ، وليس لك على قلبه وعقله ولسانه سلطان ، وكان اللّه - عزّ وجلّ « 7 » - أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين ، وذكرى للعابدين ، وكل بلاء نزل بهم ليتأسوا به في الصبر ، ورجاء للثواب . فانقضّ عدو اللّه سريعا ، فوجد أيوب ساجدا ، فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجهه ، فنفخ في منخره نفخة اشتعل فيها جسده فخرج من
هامش
( 1 ) في ب : ورد . ( 2 ) في ب : لأقلع . ( 3 ) في الأصل : فأهلكم . وهو تحريف . ( 4 ) في الأصل : وقال . ( 5 ) الشدخ : كسر الشيء الأجوف كالرأس ونحوه ، شدخ رأسه فانشدخ وشدّخت الرؤوس شدّد للكثرة . اللسان ( شدخ ) . ( 6 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 7 ) في ب : تعالى .