إنّ سلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء . وفي كونهم محفوظين ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه تعالى كان يحفظهم لئلا يذهبوا .
وثانيها : قال الكلبي : كان يحفظهم من أن يهيجوا أحدا « 1 » في زمانه .
وثالثها : قال الزجاج : كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا « 2 » ، وكان دأبهم أن يعملوا « 3 » بالنهار « 4 » ثم يفسدونه بالليل « 5 » .
روي أن سليمان كان إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له : إذا فرغ من عمله قبل الليل اشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل وكان من عادة الشياطين أنهم إذا فرغوا من العمل ولم يشتغلوا بعمل آخر خربوا ما عملوه « 6 » وأفسدوه « 7 » .
فصل [ في معجزة سليمان ]
« 8 » سأل الجبائي نفسه ، وقال : كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم دقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل ، وإنما يمكنهم الوسوسة ؟ وأجاب بأنه - سبحانه - كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون « 9 » ذلك معجزة لسليمان ، فلما مات سليمان - عليه السلام « 10 » - ردهم إلى الخلقة الأولى ، لأنه لو بقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس ولو ادعى مثبت النبوة وجعله دلالة ، لكان كمعجزات الرسل ، فلذلك ردهم إلى خلقهم « 11 » الأول . قال ابن الخطيب : وهذا الكلام ساقط من وجوه :
أحدها : لم قلتم إنّ الجن من الأجسام ، ولم يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ، ويكون الجن منهم ؟ فإن قلت : لو كان الأمر كذلك لكان مثلا للباري تعالى . قلت : هذا ضعيف لأنّ الاشتراك « 12 » في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في اللزومات ، فكيف اللوازم السلبية .
سلمنا أنه جسم لكن لم « 13 » يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف ، وكلامه بناء على أن البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف سلمنا أنه لا بدّ من تكثيف أجسامهم ، لكن لم قلت : بأنه لا بدّ من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان .
هامش
( 1 ) أحدا : سقط من ب .
( 2 ) معاني القرآن وإعرابه 3 / 401 .
( 3 ) في الأصل : يعملون . وهو تحريف .
( 4 ) بالنهار : تكملة ليست بالمخطوط .
( 5 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 22 / 202 .
( 6 ) في ب : ما عملوا .
( 7 ) انظر البغوي 5 / 509 .
( 8 ) هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 22 / 202 - 302 .
( 9 ) في ب : فيكون .
( 10 ) في ب : عليه الصلاة والسلام .
( 11 ) في ب : حلقهم . وهو تصحيف .
( 12 ) في الأصل : الاشتراك . وهو تصحيف .
( 13 ) في ب : لم لا .