حافظين ، لأنّ من حسب « 1 » شيئا علمه وحفظه « 2 » .
والغرض منه التحذير فإنّ المحاسب إذا كان عالما بحيث لا يمكن أن يفوته شيء ، وكان في القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون شديد الخوف منه « 3 » .
قوله تعالى :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 48 إلى 50 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ( 49 ) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 50 )
قوله تعالى :
« وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ »
الآية . لما أمر رسوله « 4 » أن يقول
« إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ »
« 5 » أتبعه بأنه عادة اللّه في الأنبياء قبله .
« وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ »
يعني : الكتاب المفرق بين الحق والباطل ، وهو التوراة ، وكان « ضياء » لغاية وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى في معرفة « 6 » الشرائع ، وكان « ذكرى » أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم .
وقال ابن زيد : الفرقان النصر على الأعداء كقوله تعالى :
« وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ »
« 7 » يعني : يوم بدر حين فرق بين الحق والباطل « 8 » . وهو مروي عن ابن عباس ، ولأنه أدخل الواو في قوله « وضياء » أي : آتينا موسى النصر والضياء ، وهو التوراة ، لأنّ العطف يقتضي المغايرة . وقيل : المراد بالفرقان : البرهان الذي فرق به بين الحق والباطل . وقال الضحاك : الفرقان هو فلق البحر .
وقال محمد بن كعب : الفرقان الخروج عن الشبهات « 9 » . ومن قال المراد بالفرقان :
التوراة قال : الواو في قوله : « وضياء » تكون من عطف الصفات ، والمراد به شيء واحد ، أي : آتيناه الجامع بين هذه الأشياء . وقيل : الواو زائدة « 10 » . قال أبو البقاء ف « ضياء » حال على هذا « 11 » . وإنما خصص الذكر بالمتقين كما في قوله
« هُدىً لِلْمُتَّقِينَ »
« 12 » .
قوله :
« الَّذِينَ يَخْشَوْنَ »
في محله ثلاثة أوجه : ( الجر على النعت أو البدل أو البيان ، والنصب والرفع على القطع ) « 13 » . وفي معنى « الغيب » وجوه :
هامش
( 1 ) في الأصل : لأن من حفظ حسب .
( 2 ) انظر البغوي 5 / 491 .
( 3 ) انظر الفخر الرازي 22 / 177 - 178 .
( 4 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 22 / 179 .
( 5 ) [ الأنبياء : 45 ] .
( 6 ) في الأصل : موعظة وهو تحريف .
( 7 ) [ الأنفال : 41 ] .
( 8 ) انظر البغوي 5 / 491 .
( 9 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 22 / 179 .
( 10 ) على مذهب الكوفيين والأخفش ، أما البصريون فلا يرون زيادتها ولا تأتي عندهم إلا للعطف . انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3 / 394 والمغني 2 / 362 .
( 11 ) التبيان 2 / 919 .
( 12 ) [ البقرة : 2 ] .
( 13 ) انظر الكشاف 3 / 13 ، التبيان 2 / 919 .