تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
حتى لو نبذت إليه شيئا ، وصل إليه ، ونبذت الشيء : رميته ، ومنه النّبيذ ؛ لأنّه يطرح في الإناء . ومنه المنبوذ ، وهو أصله ، فصرف إلى « فعيل » ، ومنه قيل للّقيط : منبوذ ؛ لأنّه رمي به . ومنه النهي عن المنابذة في البيع ، وهو أن يقول : إذا نبذت إليك الثّوب ، أو الحصاة ، فقد وجب البيع فقوله :
انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا :
تباعدت واعتزلت عن أهلها مكانا في الدار ، ممّا يلي المشرق ، ثم إنّها مع ذلك اتّخذت من دون أهلها حجابا . قال ابن عباس : سترا ، وقيل : جلست وراء جدار ، وقال مقاتل : وراء جبل .

فصل [ في اختلاف المفسرين في سبب احتجابها ]

فصل اختلف المفسّرون في سبب احتجابها ، فقيل : إنها لمّا رأت الحيض ، تباعدت عن مكان عبادتها تنتظر الطّهر لتغتسل ، وتعود ، فلما طهرت ، جاءها جبريل - عليه السلام - . وقيل : طلبت الخلوة للعبادة . وقيل : تباعدت لتغتسل من الحيض ، محتجبة بشيء يسترها . وقيل : كانت في منزل زوج أختها زكريّا ، وفيه محراب تسكنه على حدة ، وكان زكريّا إذا خرج يغلق عليها ، فتمنّت أن تجد خلوة في الجبل ؛ لتفلّي رأسها ، فانفرج السّقف لها ، فخرجت في المشرقة وراء الجبل ، فأتاها الملك . وقيل : عطشت ؛ فخرجت إلى المفازة لتستقي ، وكل هذه الوجوه محتملة . واعلم أن المكان الشرقيّ هو الذي يلي شرقيّ بيت المقدس ، أو شرقيّ دارها . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : إنّي لأعلم خلق اللّه ، لأيّ شيء اتّخذت النصارى المشرق قبلة ؛ لقوله :
مَكاناً شَرْقِيًّا
فاتّخذوا ميلاد عيسى قبلة ، وهو قول الحسن - رحمه اللّه تعالى - . قوله تعالى :
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا .
الجمهور على ضمّ الراء من « روحنا » وهو ما يحيون به ، وقرأ « 1 » أبو حيوة ، وسهل بفتحها ، أي : ما فيه راحة للعباد ، كقوله تعالى :
فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ
[ الواقعة : 89 ] وحكى النقاش : أنه قرىء « 2 » « روحنّا » بتشديد النّون ، وقال : هو اسم ملك من الملائكة . قوله :
« بَشَراً سَوِيًّا »
حال من فاعل « تمثّل » وسوّغ وقوع الحال جامدة وصفها ، فلمّا وصفت النكرة وقعت حالا .
هامش
( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 9 ، والبحر 6 / 170 ، والدر المصون 4 / 496 . ( 2 ) ينظر : البحر 6 / 170 ، والدر المصون 4 / 496 .