تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩

فصل في فوائد هذه القصة

في فوائد هذه القصّة [ أمور ] « 1 » منها : تعليم آداب الدعاء ، وهو قوله :
« نِداءً خَفِيًّا »
يدلّ على أن أفضل الدعاء خفية ويؤكّده قوله تعالى :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
[ الأعراف : 55 ] ؛ ولأنّ رفع الصوت مشعر بالقوّة والجلادة ، وإخفاء الصوت مشعر بالضعف والانكسار ، وعمدة الدّعاء الانكسار والتبرّي عن حول النّفس وقوّتها ، والاعتماد على فضل اللّه تعالى وإحسانه . ويستحبّ أن يذكر في مقدّمة الدعاء عجز النّفس وضعفها ؛ كقوله :
وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
ثم يذكر نعم اللّه تعالى ؛ كقوله :
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ،
ويكون الدعاء لما يتعلق بالدين لا لمحض الدنيا ، كقوله :
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ
وأن يكون الدّعاء بلفظ : يا ربّ . كما ذكر فيها بيان فضل زكريّا ، ويحيى - عليهما السلام - أما زكريّا ؛ فلتضرّعه وانقطاعه إلى اللّه تعالى بالكليّة ، وإجابة اللّه تعالى دعاءه ، وأن اللّه تعالى بشّره ، وبشّرته الملائكة ، واعتقال لسانه عن الكلام دون التّسبيح . وأمّا يحيى ؛ فلأنّه لم يجعل له من قبل سميّا ، وقوله
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ،
وكونه رحيما حنانا وطاهرا ، وتقيّا ، وبرّا بوالديه ، ولم يكن جبّارا ، ولم يعص قطّ ، ولا همّ بمعصية ، ثم سلّم عليه يوم ولد ، ويوم يموت ، ويوم يبعث حيّا . ومنها : كونه تعالى قادرا على خلق الولد ، وإن كان الأبوان في نهاية الشيخوخة ردّا على أهل الطّبائع . ومنها : أن المعدوم ليس بشيء ؛ لقوله :
وَلَمْ تَكُ شَيْئاً .
فإن قيل : المرا د « ولم تك شيئا مذكورا » كما في قوله :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
[ الإنسان : 1 ] . فالجواب « 2 » : أنّ الإضمار خلاف الأصل ، وللخصم أن يقول : الآية تدلّ على أن الإنسان لم يكن شيئا مذكورا ، ونحن نقول به ؛ لأنّ الإنسان عبارة عن جواهر متألّفة قامت بها أعراض مخصوصة ، والجواهر المتألّفة الموصوفة بالأغراض المخصوصة ليست ثابتة في العدم « 3 » ، وإنّما الثابت هو [ أعيان ] « 4 » تلك الجواهر مفردة غير مركّبة ، وهي ليست بالإنسان ، فظهر أن الآية لا دلالة فيها على المطلوب . ومنها أن اللّه تعالى ذكر هذه القصة في « آل عمران » ، وذكرها في هذه السورة ، فلنعتبر حالها في الموضعين ، فنقول : إن اللّه تعالى بيّن في هذه السورة أنه دعا ربه ، ولم يبين الوقت ، وبينه في « آل عمران » بقوله
هامش
( 1 ) سقط من : ب . ( 2 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 166 . ( 3 ) في ب : المعدوم . ( 4 ) في ب : الاعتبار .