تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
تعالى أن يجعله رضيّا ؛ فدلّ على أنّ فعل العبد مخلوق للّه تعالى . فإن قيل : المراد : أن يلطف به بضروب الألطاف فيختار ما يصير به رضيّا عنده ، فنسب ذلك إلى اللّه تعالى . فالجواب من وجهين : الأول : لو حملناه على جعل الألطاف ، وعندها يصير إليه المرء باختياره رضيّا ؛ لكان ذلك مجازا ، وهو خلاف الأصل . الثاني : أنّ جعل تلك الألطاف واجبة على اللّه تعالى ، لا يجوز الإخلال به ، وما كان واجبا لا يجوز طلبه بالدّعاء والتضرّع . قوله تعالى :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 7 إلى 15 ]

يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 ) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا ( 13 ) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 ) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) قوله :
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ .
اختلفوا في المنادي ، فالأكثرون على أنّه هو اللّه تعالى ؛ لأنّ زكريّا إنّما كان يخاطب اللّه تعالى ، ويسأله بقوله :
رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ،
وبقوله :
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
وبقوله :
« فَهَبْ لِي »
، وبقوله بعده :
رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ،
فوجب أن يكون هذا النداء من اللّه تعالى ، وإلّا لفسد [ المعنى و ] « 1 » النّظم ، وقيل : هذا النداء من الملك ؛ لقوله :
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
[ آل عمران : 39 ] . وأيضا : فإنه لمّا قال :
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
[ مريم : 9 ] . وهذا لا يجوز أن يكون كلام اللّه ؛ فوجب أن يكون كلام الملك . ويمكن أن يجاب بأنه يحتمل أنّه يحصل النداءان : نداء اللّه تعالى ، ونداء الملائكة . ويمكن أن يكون قوله :
كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ
من كلام اللّه تعالى ، كما سيأتي بيانه - إن شاء اللّه تعالى - .
هامش
( 1 ) زيادة من أ .