تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
غمّا ، وحزنا ، وإنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغمّ ؛ لأنّ الإنسان إذا قوي فرحه انشرح صدره ، وانبسط روح قلبه من داخل البدن ، ووصل إلى الأطراف ، ولا سيّما إلى الوجه لما بين القلب ، والدّماغ من التّعلق الشّديد ، وإذا وصل الرّوح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه ، وتلألأ ، واستنار ، وإذا قوي غمّ الإنسان احتقن الروح في داخل القلب ، ولم يبق منه أثر قويّ في ظاهر الوجه ، فلا جرم يصفرّ الوجه ، ويسودّ ، ويظهر فيه أثر الأرضية ، والكآبة ؛ فثبت أنّ من لوازم الفرح استنارة الوجه ، وإشراقه ، ومن لوازم الغمّ كمودة الوجه ، وغبرته ، وسواده ، فلهذا قال :
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
أي ممتلئ غمّا « يتوارى » به من القوم يتنحى عنهم ويتغيّب من سوء ما بشّر . قال المفسّرون : كان الرجل في الجاهليّة إذا ظهر آثار الطّلق بامرأته توارى واختفى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد له ، فإن كان ذكرا ؛ ابتهج به وإن كان أنثى حزن ، ولم يظهر أياما يدبر فيها رأيه ماذا يصنع بها ؟ وهو قوله :
أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ
، أي : أيحتبسه ؟ والإمساك هنا : الحبس ، كقوله :
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
[ الأحزاب : 37 ] والهون : الهوان . قال النضر بن شميل : يقال : إنه أهون عليه هونا ، وهوانا ، وأهنته هونا وهوانا ، وقد تقدّم الكلام فيه في سورة الأنعام عند قوله تعالى :
عَذابَ الْهُونِ
[ الأنعام : 93 ] .
أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ
والدّس : إخفاء الشيء في الشيء ، كانت العرب يدفنون البنات أحياء خوفا من الفقر عليهن ، وطمع غير الأكفاء فيهنّ . قال قيس بن عاصم : يا رسول اللّه : إني واريت ثماني بنات في الجاهليّة ، فقال - صلوات اللّه وسلامه عليه - : « أعتق عن كلّ واحدة منهنّ رقبة » ، فقال : يا نبيّ اللّه إنّي ذو إبل ، فقال - عليه الصلاة والسلام - « أهد عن كلّ واحدة منهنّ هديا » « 1 » . وروي أنّ رجلا قال : يا رسول اللّه : والذي بعثك بالحق نبيّا ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت قد كان لي بنت في الجاهليّة ، وأمرت امرأتي أن تزيّنها وتطيبها ، فأخرجتها إليّ فلمّا انتهيت بها إلى واد بعيد القعر ألقيتها فيه ، فقالت : يا أبت قتلتني ، فكلّما تذكّرت قولها لم ينفعني شيء ، فقال صلى اللّه عليه وسلّم « ما كان في الجاهليّة فقد هدمه الإسلام ، وما كان في الإسلام يهدمه الاستغفار » « 2 » . واعلم أنّهم كانوا مختلفين في قتل البنات ، فمنهم من يذبحها ، ومنهم من يحفر الحفيرة ، ويدفنها إلى أن تموت ، ومنهم من يرميها من شاهق جبل ، ومنهم من يغرقها ، وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة ، وتارة للحميّة ، وتارة خوفا من الفقر ، والفاقة ، ولزوم النّفقة .
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي ( 8 / 116 ) والطبراني في « الكبير » ( 18 / 338 ) والبزار ( 2280 - كشف ) . وذكره الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 7 / 137 ) وقال : رواه البزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح غير حسين بن مهدي الأيلي وهو ثقة . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 20 / 45 - 46 ) .