تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
الثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من « ربّهم » ، أي : يخافون ربّهم عاليا عليهم علوّ الرتبة والقدرة قاهرا لهم ، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
[ الأنعام : 18 ] .

فصل دلالة الآية على عصمة الملائكة

دلت الآية على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب ؛ لأن قوله
وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
يدلّ على أنهم منقادون لخالقهم ، وأنهم ما خالفوه في أمر من الأمور ، كقوله
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ
[ مريم : 63 ] ، وقوله :
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
[ الأنبياء : 27 ] ، وكذلك قوله - جل وعز - :
وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ التحريم : 6 ] وذلك يدل على أنهم فعلوا كلّ ما أمروا به ، فدل على عصمتهم عن كل الذنوب . فإن قيل : هب أن الآية دلت على أنّهم فعلوا كلّ ما أمروا به ، فلم قلتم : إنها تدلّ على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه ؟ . فالجواب : أنّ كلّ من نهى عن شيء ، فقد أمر بتركه ؛ وحينئذ يدخل في اللفظ ، فإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كلّ الذنوب ، وثبت أنّ إبليس ما كان معصوما من الذنوب ، بل كان كافرا ؛ لزم القطع بأنّ إبليس ما كان من الملائكة ، وأيضا : فإنه - تعالى - قال في صفة الملائكة :
وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
، ثم قال عز وجل لإبليس
أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
[ ص : 75 ] وقال :
فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها
[ الأعراف : 13 ] وثبت أنّ الملائكة لا يستكبرون ، وثبت أنّ إبليس تكبّر ، واستكبر ، فوجب أن لا يكون من الملائكة . وللخصم أن يجيب بأنّ إبليس لو لم يكن من الملائكة ، لما ذمّ على تركه المعهود من ترك مخالفة الأمر ، ومن الاستكبار ، فلما خالف الأمر ، واستكبر ؛ خرج من حيّز الملائكة ، ولعن ، وطرد ؛ لأنه خالف المعهود من حاله . قال ابن الخطيب - رحمه اللّه - « ولما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة ، ثبت أنّ القصة الخبيثة التي يذكرونها في حقّ هاروت وماروت باطلة ، فإن اللّه - تبارك وتعالى - وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم من كل ذنب ؛ وجب القطع بأن تلك القصة باطلة كاذبة » . واحتجّ الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا : إنّ اللّه - تعالى - وصفهم بالخوف ، ولولا أنهم يجوّزون من أنفسهم الإقدام على الذنوب ، وإلّا لم يحصل الخوف . والجواب من وجهين : الأول : أنه - تعالى - حذّرهم من العقاب ؛ فقال
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ
[ الأنبياء : 29 ] فللخوف من العذاب يتركون الذنب .