بالوقوف على حقائق الأشياء وببناء الأحكام على حقائقها ، وأنّ موسى - عليه السلام - كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور ، فبهذا ظهر التفاوت بينهما في علمه .
فإن قيل : فحاصل الكلام أنّه تعالى أطلعه على حقائق الأشياء ، وهذا النّوع من العلم ما يمكن تعلّمه ، وموسى - عليه السلام - إنما ذهب إليه ليتعلم منه العلم ، فكان الواجب على ذلك العالم أن يظهر له علما يمكن تعلّمه ، وهذه المسائل علمها لا يمكن تقاسمه ، فما الفائدة في إظهارها ؟
فالجواب : أنّ العلم بظواهر الأشياء يمكن تحصيله بناء على معرفة الشرائع الظاهرة ، وأمّا العلم بحقائق الأشياء ، فإنّه لا يمكن تحصيله إلّا بناء على تصفية الباطن ، وتطهير القلب عن العلائق الجسمانية ، ولهذا قال تعالى في صفة علم ذلك العالم :
« وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً »
ثم إنّ موسى - عليه السلام - لمّا كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه اللّه تعالى إلى ذلك العالم ، ليعلّم موسى أنّ كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظّواهر إلى علوم البواطن المبنية على الإشراف على حقيقة الأمور .
فصل [ في احتجاجهم بهذه الآية على أنّ الفقير أشد حاجة من المسكين ]
احتجّوا بهذه الآية على أن الفقير أشدّ حاجة من المسكين ؛ لأنّه تعالى سمّاهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون السفينة .
واعلم أنّ العالم بيّن مراده من تخريق السفينة ، وأنه لم يكن مقصوده تغريق أهلها ؛ بل كان مقصوده تعييبها ، لئلّا يأخذها ذلك الملك الظّالم ؛ لأنّه كان من عادته أخذ السفن الخالية من العيوب ، وضرر هذا التخريق أسهل من ضرر الغصب .
فإن قيل : هل يجوز للأجنبيّ أن يتصرّف في ملك الغير لمثل هذا الغرض ؟ .
فالجواب : هذا مما تختلف أحواله بسبب اختلاف الشرائع ، فلعلّ هذا كان جائزا في تلك الشريعة ، وأما في شريعتنا فهذا الحكم غير بعيد ، فإنّا إذا علمنا أنّ الذين يقطعون الطريق يأخذون جميع مال الإنسان ، فإن دفعنا إلى قاطع الطّريق بعض ذلك المال سلم الباقي ، فحينئذ يحسن منّا أن ندفع بعض مال ذلك الإنسان إلى قاطع الطريق ؛ ليسلم الباقي ، وكان هذا إحسانا منا لذلك المالك .
كذلك قيل في السفينة المشحونة إذا خيف عليها الغرق ، وأنه إذا ألقي منها شيء في البحر خفّت وسلم ما فيها جاز الإلقاء ، بل يجب كذلك ، وكذلك مسألة التترّس بالمسلمين .
واعلم بأنّ هذا التخريق يجب أن يكون على وجه لا يبطل منافع تلك السفينة بالكلّية ، إذ لو كان كذلك ، لم يكن الضّرر الحاصل من غصبها أعظم من الضّرر الحاصل من تخريقها ، وحينئذ لم يكن تخريقها جائزا .