تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
وأهل السنة قالوا : معناه أنه - تعالى - أمر الرسول بالتبليغ فوجب عليهم ، فأمّا أن الإيمان هل يحصل ، أو لا يحصل ؟ فذلك لا يتعلق بالرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - ولكنه تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ، ويضل من يشاء بخذلانه ، ويدل عليه قوله تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
فإنه يدلّ على أنه - تعالى - كان أبدا في جميع الأمم ؛ آمرا بالإيمان ، وناهيا عن الكفر . ثم قال :
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
أي : فمنهم من هداه اللّه إلى الإيمان ، ومنهم من أضله عن الحق ، وأوقعه في الكفر ، وهذا يدلّ على أنّ أمر اللّه لا يوافق إرادته ؛ بل قد يأمر بالشيء ولا يريده ، وينهى عن الشيء ويريده ، وقد تقدم تأويلات المعتزلة ، وأجوبتهم مرارا . والطاغوت : كل معبود من دون اللّه ، وقيل : اجتنبوا الطّاغوت : أي طاعة الشيطان . قوله :
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
يجوز في « أن » أن تكون تفسيرية ؛ لأنّ البعث يتضمن قولا ، وأن تكون مصدرية ، أي : بعثناه بأن اعبدوا . قوله :
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
يجوز في « من » الأولى أن تكون نكرة موصوفة ، والعائد على كلا التقديرين محذوف من الأول ، وقوله « حقّت » يدل على صحة مذهب أهل السنة ؛ لأنّه تعالى لمّا أخبر عنه أنّه حقت عليه الضلالة ، امتنع أن لا يصدر منه الضلالة ، وإلّا لانقلب خبر اللّه تعالى الصدق كذبا ، وهو محال ؛ ويؤيده قوله :
فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
[ الأعراف : 30 ] ، وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ
[ يوسف : 96 ] وقوله :
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ يس : 7 ] ثم قال - عز وجل - :
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
أي : مآل أمرهم ، وخراب منازلهم بالعذاب ، والهلاك ؛ فتعتبروا ، ثم أكد أنّ من حقت عليه الضلالة ؛ فإنه لا يهتدي ؛ فقال تعالى :
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ
أي : تطلب بجهدك ذلك ؛
فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ
. قوله
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ
قرأ العامة بكسر الراء ، مضارع حرص بفتحها ، وهي اللغة الغالبة لغة الحجاز . وقرأ الحسن ، وأبو حيوة « 1 » : « تحرص » بفتح الراء ، مضارع حرص بكسرها ، وهي لغة لبعضهم ، وكذلك النخعيّ « 2 » : إلّا أنه زاد واوا قبل : « إن » فقرأ : « وإن تحرص » . قوله :
« لا يَهْدِي »
قرأ الكوفيون « 3 » بفتح الياء ، وكسر الدّال ، وهذه القراءة تحتمل وجهين :
هامش
( 1 ) ينظر : المحتسب 2 / 9 ، والشواذ 3 ، البحر 5 / 476 ، الدر المصون 4 / 324 . ( 2 ) ينظر : البحر 5 / 475 ، والدر المصون 4 / 324 . ( 3 ) ينظر في قراءاتها : السبعة 372 ، النشر 2 / 304 ، الإتحاف 4 / 184 ، التيسير 137 ، والبحر 5 / 476 ، والقرطبي 10 / 69 ، والدر المصون 4 / 325 .