تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
وقيل : كان من أبناء الملوك الذين زهدوا في الدنيا ، والخضر لقب له ، سمّي بذلك ؛ لما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إنّما سمّي خضرا ؛ لأنّه جلس على فروة بيضاء ، فإذا هي تهتزّ تحته خضرا » « 1 » . وقال مجاهد : إنّما سمّي خضرا ؛ لأنّه كان إذا صلّى ، اخضرّ ما حوله « 2 » . روي في الحديث أنّ موسى - عليه السلام - لمّا رأى الخضر - عليه السلام - سلّم عليه ، فقال الخضر : وأنّى بأرضك السلام ؟ قال : أنا موسى ، قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم ، أتيتك ؛ لتعلّمني ممّا علّمت رشدا « 3 » .

فصل في بيان أن الخضر كان نبيا

قال أكثر المفسرين « 4 » : إنّه كان نبيّا ، واحتجوا بوجوه : الأول : قوله :
آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا
والرحمة : هي النبوة ؛ لقوله تعالى :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
[ الزخرف : 32 ] . وقوله :
وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
[ القصص : 86 ] . والمراد من هذه الرحمة النبوة ، ولقائل أن يقول : سلّمنا أن النبوّة رحمة ، ولكن لا يلزم بكلّ رحمة نبوة . الثاني : قوله تعالى :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
وهذا يدل على أنه علمه لا بواسطة ، ومن علّمه اللّه شيئا ، لا بواسطة البشر ، يجب أن يكون نبيّا ، وهذا ضعيف ؛ لأنّ العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند اللّه ، وذلك لا يدلّ على النبوّة . الثالث : قول موسى - عليه السلام - : « هل أتّبعك على أن تعلّمني ممّا علّمت رشدا » والنبي لا يتّبع غير النبيّ في التعلّم . وهذا أيضا ضعيف ؛ لأنّ النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي باعتبارها صار نبيّا ، [ أما في غير تلك العلوم فلا ] « 5 » . الرابع : أنّ ذلك العبد أظهر الترفّع على موسى ، فقال :
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
فأما موسى ، فإنه أظهر التواضع له ؛ حيث قال :
وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً
وذلك يدلّ على أنّ ذلك العالم كان فوق موسى ، ومن لا يكون نبيّا ، لا يكون فوق النبيّ ، وذلك أيضا ضعيف ؛ لأنّه يجوز أن يكون غير النبيّ فوق النبي في علوم لا تتوقّف نبوته عليها .
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 424 ) وعزاه إلى ابن عساكر عن ابن عباس . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 424 ) وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر . ( 3 ) فقدم تخريجه وهو في الصحيحين . ( 4 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 126 . ( 5 ) سقط من أ .