تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
وقرأ عبد اللّه : « أن أذكركه » ، وقرأ أبو حيوة : « واتّخاذ سبيله » عطف هذا المصدر على مفعول « أذكره » . قوله : « عجبا » فيه أوجه : أحدها : أنه مفعول ثان ل « اتّخذ » و « في البحر » يجوز أن يتعلق بالاتخاذ ، أو بمحذوف على أنه حال من المفعول الأول أو الثاني . وفي فاعل « اتّخذ » وجهان : أحدهما : هو الحوت ، كما تقدّم في « اتّخذ » الأولى . والثاني : هو موسى . الوجه الثاني من وجهي « عجبا » أنه مفعول به ، والعامل فيه محذوف ، فقال الزمخشريّ : « أو قال : عجبا في آخر كلامه تعجبا من حاله ، وقوله : « وما أنسانيه إلّا الشّيطان » اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه » . فظاهر هذا أنّه مفعول ب « قال » ، أي : قال هذا اللفظ ، والسبب في وقوع هذا الاعتراض ما يجري مجرى القدر والعلة لوقوع ذلك النسيان . الثالث : أنه مصدر ، والعامل فيه مقدّر ، تقديره : فتعجّب من ذلك عجبا . الرابع : أنه نعت لمصدر محذوف ، ناصبه « اتّخذ » أي : اتّخذ سبيله في البحر اتّخاذا عجبا ، وعلى هذه الأقوال الثلاثة : يكون « في البحر » مفعولا ثانيا ل « اتّخذ » إن عدّيناها لمفعولين .

فصل [ في دلالة الروايات على أنه تعالى بيّن لموسى أن هذا العالم موضعه مجمع البحرين ]

دلّت الروايات على أنّه تعالى بيّن لموسى صلى اللّه عليه وسلّم أنّ هذا العالم موضعه مجمع البحرين ، إلّا أنّه ما عيّن موضعا ، إلّا أنّه جعل انقلاب الحوت حيّا علامة على مسكنه المعيّن ، كمن يطلب إنسانا ، فيقال له : إنّ موضعه محلّة كذا من كذا ، فإذا انتهيت إلى المحلّة ، فسل فلانا عن داره ، فأينما ذهب بك ، فاتبعه ؛ فإنّك تصل إليه ، فكذا هنا قيل له : إنّ موضعه مجمع البحرين ، فإذا وصلت إليه ، ورأيت انقلاب الحوت حيّا ، وطفر إلى البحر ، فيحتمل أنّه قيل له : فهناك موضعه ، ويحتمل أنّه قيل له : فاذهب على موافقة ذلك الحوت ؛ فإنّك تجده . وإذا عرفت هذا فنقول : إن موسى وفتاه ، لمّا بلغا مجمع بينهما ، طفرت السّمكة إلى البحر ، وسارت ، وفي كيفيّة طفرها روايات . فقيل : إن الفتى غسل السّمكة ، لأنها كانت مملحة ، فطفرت وسارت . وقيل : إنّ يوشع توضّأ في ذلك المكان من عين تسمّى « ماء الحياة » لا يصيب ذلك الماء شيئا إلّا حيي ، فانتضح الماء على الحوت المالح ، فعاش ووثب في الماء . وقيل : انفجر هناك عين من الجنّة ، ووصلت قطرات من تلك العين إلى السّمكة ،