تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
أحدهما : هو فعل ماض ، و « أمدا » مفعوله . و
« لِما لَبِثُوا »
نعت له ، قدّم ، فصار حالا ، أو مفعولا له ، أي : لأجل لبثهم ، وقيل : اللام زائدة و « ما » بمعنى « الذي » و « أمدا » مفعول « لبثوا » وهو خطأ ، وإنما الوجه أن يكون تمييزا ، والتقدير : لما لبثوه . والوجه الثاني : هو اسم ، و « أمدا » منصوب بفعل دلّ عليه الاسم انتهى ، فهذا تصريح بأنّ « أمدا » حال جعله « أحصى » اسما ، ليس بتمييز بل مفعول به بفعل مقدر ، وأنه جعله تمييزا عن « لبثوا » كما رأيت . ثم قال أبو حيّان : « وأمّا قوله « وإمّا أن ينصب ب « لبثوا » فلا يسدّ عليه المعنى ، أي : لا يكون معناه سديدا ، فقد ذهب الطبريّ إلى أنه منصوب ب « لبثوا » قال ابن عطيّة : « وهو غير متّجه » انتهى ، وقد يتّجه : وذلك أنّ الأمد هو الغاية ، ويكون عبارة عن المدّة من حيث إنّ المدّة غاية هي أمد المدّة على الحقيقة ، و « ما » بمعنى « الذي » و « أمدا » منصوب على إسقاط الحرف ، وتقديره : لما لبثوا من أمد ، أي : من مدة ، ويصير « من أمد » تفسيرا لما أبهم من لفظ « ما » كقوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
[ البقرة : 106 ]
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ
[ فاطر : 2 ] ولمّا سقط الحرف ، وصل إليه الفعل » . قال شهاب الدين : يكفيه أنّ مثل ابن عطيّة جعله غير متّجه ، وعلى تقدير ذلك ، فلا نسلّم أنّ الطبري عنى نصبه ب « لبثوا » مفعولا به ، بل يجوز أن يكون عنى نصبه تمييزا ؛ كما قاله أبو البقاء . ثم قال : وأمّا قوله : فإن زعمت إلى آخره ، فنقول : لا يحتاج إلى ذلك ؛ لأنّ لقائل ذلك أن يذهب مذهب الكوفيين في أنّه ينصب « القوانس » بنفس « أضرب » ولذلك جعل بعض النحاة أنّ « أعلم » ناصب ل « من » في قوله :
أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ
[ الأنعام : 117 ] ، وذلك لأنّ أفعل مضمّن لمعنى المصدر ؛ إذ التقدير : « يزيد ضربنا القوانس على ضرب غيرنا » . قال شهاب الدين : هذا مذهب مرجوح ، وأفعل التفضيل ضعيف ، ولذلك قصر عن الصفة المشبهة باسم الفاعل ؛ حيث لم يؤنّث ، ولم يثنّ ، ولم يجمع . وإذا جعلنا « أحصى » اسما فجوّز أبو حيان في « أي » أن تكون الموصولة ، و « أحصى » خبر لمبتدأ محذوف ، هو عائدها ، وأنّ الضمة للبناء على مذهب سيبويه « 1 » لوجود شرط البناء ، وهو إضافتها لفظا ، وحذف صدر صلتها ، وهذا إنما يكون على جعل العلم بمعنى العرفان ؛ لأنّه ليس في الكلام إلا مفعول واحد ، وتقدير آخر لا حاجة إليه ، إلا أنّ في إسناد « علم » بمعنى عرف إلى اللّه تعالى إشكالا تقدّم تحريره في الأنفال وغيرها ، وإذا جعلناه فعلا ، امتنع أن تكون موصولة ؛ إذ لا وجه لبنائها حينئذ ، وهو حسن .
هامش
( 1 ) ينظر : الكتاب 1 / 397 - 398 .