تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
قال تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] . قال أهل اللغة : العوج في المعاني كالعوج في الأعيان ، فالمراد منه نفي التّناقض . وقيل : معناه لم يجعله مخلوقا . روي عن ابن عبّاس أنّه قال في قوله تعالى :
قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
[ الزمر : 28 ] أي غير مخلوق « 1 » . وقوله : « قيما » فيما نقل عن ابن عباس أنه قال : يريد مستقيما [ قال ابن الخطيب : ] « 2 » وهذا عندي مشكل ؛ لأنّه لا معنى لنفي الاعوجاج إلّا حصول الاستقامة ، فتفسير القيّم بالمستقيم يوجب التكرار ، بل الحقّ أن يقال : المراد من كونه قيّما سببا لهداية الخلق ، وأنّه يجري بحذو من يكون قيّما للأطفال ، فالأرواح البشرية كالأطفال ، والقرآن كالقيّم المشفق القيم بمصالحهم . قوله : « لينذر » في هذه اللام وجهان ، أظهرهما : أنها متعلقة ب « قيّما » قاله الحوفيّ . والثاني : - وهو الظّاهر - أنّها تتعلق ب « أنزل » . وفاعل « لينذر » يجوز أن يكون « الكتاب » وأن يكون اللّه ، وأن يكون الرسول . و « أنذر » يتعدّى لاثنين :
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً
[ النبأ : 40 ]
فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً
[ فصلت : 13 ] . ومفعوله الأول محذوف ، يقدره الزمخشري : « لينذر الذين كفروا » ، وغيره : « لينذر العباد » ، أو « لينذركم » ، أو لينذر العالم . وتقديره أحسن لأنه مقابل لقوله
« وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ »
، وهم ضدّهم . وكما حذف المنذر وأتى بالمنذر به هنا ، حذف المنذر به وأتى بالمنذر في قوله
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا
[ الكهف : 40 ] فحذف الأول من الأول لدلالة ما في الثاني عليه ، وحذف الثاني من الثاني لدلالة ما في الأول عليه ، وهو في غاية البلاغة ، ولمّا لم تتكرّر البشارة ذكر مفعوليها فقال :
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً
. قوله :
مِنْ لَدُنْهُ
قرأ أبو بكر عن عاصم بسكون الدّال مشمّة الضمّ وكسر النون والهاء موصلة بياء ، فيقرأ « من لدنهي » والباقون يضمون الدال ، ويسكنون النون ويضمون الهاء ، وهم على قواعدهم فيها : فابن كثير يصلها بواو نحو : منهو وعنهو ، وغيره لا يصلها بشيء . ووجه أبي بكر : أنّه سكن الدال تخفيفا كتسكين عين « عضد » فالنون ساكنة ، فالتقى ساكنان فكسر النون لالتقاء الساكنين ، وكان حقّه أن يكسر الأول على القاعدة المعروفة إلا أنه يلزم منه العود إلى ما فرّ منه ، وسيأتي لتحقيق هذا بيان في قوله تعالى :
وَيَخْشَ اللَّهَ
هامش
( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 5 / 611 ) وعزاه إلى الآجري في الشريعة وابن مردويه والبيهقي في « الأسماء والصفات » . ( 2 ) سقط من أ .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 418 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب