تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
إذا ذبل ، وخفت الرّجل بقراءته ، يتخافت بها ، إذا لم يبيّن قراءته برفع الصوت ، وقد تخافت القوم ، إذا تسارّوا بينهم .

فصل في المستحب في الدعاء

واعلم أن الجهر بالدعاء منهيّ عنه ، والمبالغة في الإسرار غير مطلوبة ، والمستحبّ التوسّط ، وهو أن يسمع نفسه ؛ كما روي عن ابن مسعود « 1 » : أنه قال : لم يتخافت من يسمع أذنيه . واعلم أن العدل هو رعاية الوسط ؛ كما مدح اللّه هذه الأمّة بقوله :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] . ومدح المؤمنين بقوله :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
[ الفرقان : 67 ] . وأمر اللّه تعالى رسوله صلى اللّه عليه وسلّم فقال :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
[ الإسراء : 29 ] فكذا ههنا : نهى عن الطّرفين ، وهما الجهر والمخافتة ، وأمر بالتوسّط بينهما ، فقال :
وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
. وقال بعضهم : الآية منسوخة بقوله - تعالى - :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
[ الأعراف : 55 ] . وهو بعيد . واعلم أنه تعالى ، لمّا أمر بأن لا يذكر ، ولا ينادى ، إلا بأسمائه الحسنى ، علّم كيفيّة التمجيد ؛ فقال :
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ
. فذكر ثلاثة أنواع من صفات التنزيه والجلال : الأول : أنه لم يتخذ ولدا ، والسّبب فيه وجوه : أولها : أنّ الولد هو الشيء المتولّد من أجزاء ذلك الشيء ، فكلّ من له ولد ، فهو مركب من الأجزاء ، والمركّب محدث ، والمحدث محتاج ؛ لا يقدر على كمال الإنعام ؛ فلا يستحقّ كمال الحمد . وثانيها : أنّ كل من له ولد ، فهو يمسك جميع النّعم لولده ، فإذا يكن له ولد ، أفاض كلّ النّعم على عبيده . وثالثها : أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه ، فلو كان له ولد ، لكان
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 171 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 376 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة .