تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : قوله تعالى :
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
[ القمر : 1 ] قال الكفار بعضهم لبعض : إنّ هذا يزعم أنّ القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتّى [ ننظر ] « 1 » ما هو كائن ، فلما لم ينزل ، قالوا : ما نرى شيئا ، [ فنزل قوله تعالى ] « 2 »
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ
[ الأنبياء : 1 ] فأشفقوا ، فلما امتدّت الأيام ، قالوا : يا محمد ما نرى شيئا مما تخوّفنا به ، فنزل قوله تعالى
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
فوثب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم وظنّوا أنها قد أتت حقيقة ، فنزل قوله
فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
فاطمأنّوا « 3 » . والاستعجال : طلب الشيء قبل حينه . واعلم أنّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - لمّا كثر تهديده بعذاب الدنيا والآخرة ولم يروا شيئا نسبوه إلى الكذب فأجابهم اللّه - تعالى - بقوله
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
وتقرير هذا الجواب من وجهين : أحدهما : أنه وإن لم يأت العذاب ذلك الوقت إلّا أنه واجب الوقوع ، والشيء إذا كان بهذه الحالة والصّفة فإنه يقال في الكلام المعتاد : إنه قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع ، يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها جاء الفوت . والثاني : أن يقال : إنّ أمر اللّه بذلك وحكمه قد أتى وحصل ووقع ، فأمّا المحكوم به فإنّما لم يقع ، لأنّ اللّه - تعالى - حكم بوقوعه في وقت معين فلا يخرج إلى الوجود قبل مجيء ذلك الوقت ، والمعنى : أن أمر اللّه وحكمه بنزول العذاب قد وجد من الأزل إلى الأبد إلّا أنّ المحكوم إنّما لم يحصل ، لأنّه - تعالى - خصّص حصوله بوقت معيّن
فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
قبل وقته ، فكأنّ الكفار قالوا : سلّمنا لك يا محمد صحة ما تقول : من أنّه - تعالى - حكم بإنزال العذاب علينا إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة ، إلّا أنا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند اللّه فنتخلص من العذاب المحكوم به فأجابهم اللّه - تعالى - بقوله
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
. قوله :
عَمَّا يُشْرِكُونَ
يجوز أن تكون « ما » مصدرية فلا عائد لها عند الجمهور أي : عن إشراكهم به غيره ، وأن تكون موصولة اسمية . وقرأ العامة فلا تستعجلوه بالتاء خطابا للمؤمنين أو للكافرين وقرأ ابن جبير بالياء « 4 » من تحت عائدا على الكفار أو على المؤمنين . وقرأ الأخوان « 5 » « تشركون » بتاء الخطاب جريا على الخطاب في « تستعجلوه »
هامش
( 1 ) في ب : تنظروا . ( 2 ) في أ : فأنزل اللّه تعالى . ( 3 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 3 / 61 ) عن ابن عباس وأخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 556 ) عن ابن جريج مثله وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 4 / 205 ) عن ابن جريج وزاد نسبته إلى ابن المنذر . ( 4 ) ينظر : الشواذ 72 ، والبحر 5 / 459 ، والدر المصون 4 / 311 ، ( 5 ) ينظر : التيسير 121 ، والنشر 2 / 282 ، والإتحاف 2 / 180 ، والحجة 385 ، والشواذ 72 ، والبحر 5 / 459 ، والدر المصون 4 / 311 .