تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
والباء في قوله « بالرّوح » بمعنى « مع » كقولهم : « خرج فلان بثيابه » أي : ومعه ثيابه . والمعنى : ننزّل الملائكة مع الروح ؛ وهو جبريل ، وتقرير هذا الوجه : أنّه - تعالى - ما أنزل على محمد - صلوات اللّه وسلامه عليه - جبريل وحده في أكثر الأحوال ؛ بل كان ينزّل مع جبريل - عليه السلام - أقواما من الملائكة ؛ كما في يوم بدر ، وفي كثير من الغزوات ، وكان ينزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تارة ملك الجبال ، وتارة ملك البحار ، وتارة رضوان ، وتارة غيرهم . وقوله
« مِنْ أَمْرِهِ »
أي أنّ ذلك النّزول لا يكون إلا بأمر اللّه ؛ كقوله :
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ
[ مريم : 64 ] وقوله تعالى :
وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
[ الأنبياء : 27 ] ، وقوله :
وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ التحريم : 6 ] . وقوله :
عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
يريد الأنبياء المخصوصين برسالته :
أَنْ أَنْذِرُوا
قال الزجاج : « أن » بدل من « الرّوح » . والمعنى : ينزّل الملائكة بأن أنذروا ، أي : أعلموا الخلائق ، أنّه لا إله إلا أنا ، والإنذار هو الإعلام مع التخويف . « فاتّقون » فخافون . يروى أن جبريل - صلوات اللّه وسلامه عليه - نزل على آدم - عليه الصلاة والسلام - اثنتي عشرة مرة ، وعلى إدريس أربع مرات ، وعلى نوح - عليه الصلاة والسلام - خمسين مرّة ، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة وعلى موسى أربع مرات ، وعلى عيسى عشر مرات ، وعلى محمد صلى اللّه عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء أربعة وعشرين ألف مرّة . قوله تعالى :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 3 إلى 9 ]

خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 3 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 4 ) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 5 ) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 ) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 7 ) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 ) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 9 ) قوله :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى
ارتفع
عَمَّا يُشْرِكُونَ
اعلم أنّ دلائل الإلهيات وقعت في القرآن على نوعين : أحدهما : أن يتمسّك بالأظهر مترقيا إلى الأخفى ، فالأخفى كما ذكره في سورة البقرة في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
[ البقرة : 21 ] فجعل تغير أحوال الإنسان دليلا على احتياجه إلى الخالق . ثم استدل بتغير أحوال الآباء ، والأمهات ؛ قال تعالى :
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ البقرة : 21 ] .