تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
وهذه الآية تدلّ على أنّ العمل علّة الجزاء . قوله :
وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
. لمّا أجاب عن شبهات منكري النبوة ، عاد إلى حكاية شبهة منكري المعاد . وتلك الشبهة : هي أنّ الإنسان بعد أن يصير رفاتا ، ورميما ، يبعد أن يعود هو بعينه ، فأجاب اللّه عنه : بأنّ من قدر على خلق السماوات والأرض في عظمتها وشدّتها قادر على أن يخلق مثلهم في صغرهم ، وضعفهم ؛ نظيره قوله تعالى :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
[ غافر : 57 ] . وفي قوله :
قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
قولان : الأول : [ معناه ] قادر على أن يخلقهم ثانيا ، فعبّر عن خلقهم بلفظ « المثل » ؛ كقول المتكلّمين : إنّ الإعادة مثل الابتداء . والثاني : قادر على أن يخلق عبيدا آخرين يوحّدونه ، ويقرّون بكمال حكمته وقدرته ، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة ؛ وعلى هذا ، فهو كقوله تعالى :
وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
[ إبراهيم : 19 ] وقوله :
وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
[ التوبة : 39 ] . قال الواحديّ « 1 » : والأول أشبه بما قبله . ولمّا بيّن اللّه تعالى بالدّليل المذكور : أنّ البعث يمكن الوجود في نفسه ، أردفه بأنّ لوقوعه ودخوله في الوجود وقتا معلوما عند اللّه تعالى ؛ وهو قوله :
وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ
أي : جعل لهم وقتا لا ريب فيه ،
فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً
أي بعد هذه الدلائل الظاهرة :
فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً
أي : الظالمون إلا الكفر والجحود . قوله :
وَجَعَلَ لَهُمْ
: معطوف على قوله
« أَ وَلَمْ يَرَوْا »
؛ لأنّه في قوة : قد رأوا ، فليس داخلا في حيّز الإنكار ، بل معطوفا على جملته برأسها . وقوله :
لا رَيْبَ فِيهِ
صفة ل « أجلا » ، أي : أجلا غير مرتاب فيه ، فإن أريد به يوم القيامة ، فالإفراد واضح ، وإن أريد به الموت ، فهو اسم جنس ؛ إذ لكلّ إنسان أجل يخصه . وقوله
إِلَّا كُفُوراً
قد تقدّم . قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 100 ]

قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً ( 100 ) اعلم أنّ الكفار ، لما قالوا : لن نؤمن لك ؛ حتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعا وطلبوا إجراء الأنهار ، والعيون في بلدهم لتكثر أموالهم ؛ بيّن أنّهم لو ملكوا خزائن رحمة اللّه ،
هامش
( 1 ) ينظر : الفخر الرازي 21 / 52 .