تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
تَدْعُونَ
من الآلهة
إِلَّا إِيَّاهُ
إلا الله ، فلم تجدوا مغيثا سواه ،
فَلَمَّا نَجَّاكُمْ
من الغرق ، والشدة ، وأهوال البحر ، وأخرجكم
إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ
عن الإيمان ، والإخلاص ، والطاعة ؛ كفرا منكم لنعمه ،
وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً
. قوله تعالى :
إِلَّا إِيَّاهُ
: فيه وجهان : أحدهما : أنه استثناء منقطع ؛ لأنه لم يندرج فيما ذكر ، إذ المراد به آلهتهم من دون الله . والثاني : متصل ؛ لأنهم كانوا يلجئون إلى آلهتهم ، وإلى الله تعالى . والثالث :
أَ فَأَمِنْتُمْ
بعد ذلك
أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ
ربكم يغور بكم [ جانب ] « 1 » البر . قال الليث - رحمه الله - : الخسف والخسوف دخول الشيء في الشيء « 2 » ، يقال : عين خاسفة التي غابت حدقتها في الرأس ، وعين من الماء خاسفة ، أي : غائرة الماء ، وخسفت الشمس أي : احتجبت ، وكأنها وقعت تحت حجاب ، أو دخلت في جحر ، فقوله :
يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ
أي : يغيبكم في جانب البر ، وهو الأرض ، وإنما قال : جانب البر ؛ لأنه ذكر البحر أولا ، فهو جانب ، والبر جانب ، فأخبر الله سبحانه وتعالى ؛ أنه كما كان قادرا على أن يغيبهم في الماء ، فهو قادر على أن يغيبهم في الأرض ، فالغرق تغييب تحت الماء ، كما أن الخسف تغييب تحت التراب . وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر أولا أنهم كانوا خائفين من هول البحر ، فلما نجاهم منه آمنوا ، فقال : هب أنكم نجوتم من هول البحر ، فكيف أمنتم من هو البر ؛ فإنه قادر على أن يسلط عليكم آفات البر من جانب التحت ، أو من جانب الفوق ، فأما من جانب التحت ، فالخسف ، وأما من جانب الفوق ، فبإمطاركم الحجارة ، وهو المراد من قوله :
أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً
فكما يتضرعون إلى الله تعالى عند ركوب البحر فكذا يتضرعون إليه في كل الأحوال ، والحصب في اللغة : المرمى ، يقال : حصبته أحصبه ، إذا رميته والحصب : الرمي ومنه قوله تعالى :
حَصَبُ جَهَنَّمَ
[ الأنبياء : 98 ] ، أي : يلقون فيها ، ومعنى قوله « حاصبا » أي عذابا يحصبهم ، أي : يرميهم بحجارة . قال أبو عبيدة والقتيبي : الحاصب : الريح التي ترمي بالحصباء ، وهي الحصى الصغار ؛ قال الفرزدق :
3441 - مستقبلين شمال الشام تضربهم * حصباء مثل نديف القطن منثور « 3 »
ويسمى السحاب الذي يرمي بالبرد والثلج حاصبا ، لأنه يرمي بهما رميا ، ولم يؤنثه : إما لأنه مجازي ، أو على النسب ، أي : ذات حصب .
هامش
( 1 ) في ب : ناجية . ( 2 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 21 / 9 ) . ( 3 ) ينظر : ديوانه ( 1 / 213 ) ، الكامل 3 / 57 ، الطبري 15 / 83 ، البحر المحيط 6 / 44 ، القرطبي 10 / 189 ، روح المعاني 15 / 116 ، الدر المصون 4 / 407 .